(وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون).
وهكذا ينبض المشهد بالحياة والحركة والحوار . . على طريقة القرآن .
وهكذا يستقر في ضمير الجماعة المسلمة معنى التحذير من الفرقة والاختلاف . ومعنى النعمة الإلهية الكريمة . . بالإيمان والائتلاف .
وهكذا ترى الجماعة المسلمة مصير هؤلاء القوم من أهل الكتاب , الذين تحذر أن تطيعهم . كي لا تشاركهم هذا المصير الأليم في العذاب العظيم . يوم تبيض وجوه , وتسود وجوه . .
ويعقب على هذا البيان لمصائر الفريقين تعقيبا قرآنيا يتمشى مع خطوط السورة العريضة , يتضمن إثبات صدق الوحي والرسالة . وجدية الجزاء والحساب يوم القيامة . والعدل المطلق في حكم الله في الدنيا والآخرة . وملكية الله المفردة لما في السماوات وما في الأرض . ورجعة الأمر إليه في كل حال:
(تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق , وما الله يريد ظلما للعالمين . ولله ما في السماوات وما في الأرض . وإلى الله ترجع الأمور). .
تلك الصور . تلك الحقائق . تلك المصائر . . تلك آيات الله وبيناته لعباده:نتلوها عليك بالحق . فهي حق فيما تقرره من مبادىء وقيم ; وهي حق فيما تعرضه من مصائر وجزاءات . وهي تتنزل بالحق ممن يملك تنزيلها ; وممن له الحق في تقرير القيم , وتقرير المصائر , وتوقيع الجزاءات . وما يريد بها الله أن يوقع بالعباد ظلما . فهو الحكم العدل . وهو المالك لأمر السماوات والأرض . ولكل ما في السماوات وما في الأرض . وإليه مصير الأمور . إنما يريد الله بترتيب الجزاء على العمل أن يحق الحق , وأن يجري العدل , وأن تمضي الأمور بالجد اللائق بجلال الله . . لا كما يدعي أهل الكتاب أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات !
الدرس السادس:110 - 117 وظيفة الأمة المسلمة وعداوة أهل الكتاب لها
بعدئذ يصف الأمة المسلمة لنفسها ! ليعرفها مكانها وقيمتها وحقيقتها ; ثم يصف لها أهل الكتاب - ولا يبخسهم قدرهم , إنما يبين حقيقتهم ويطمعهم في ثواب الإيمان وخيره - ويطمئن المسلمين من جانب عدوهم . فهم لن يضروهم في كيدهم لهم وقتالهم , ولن ينصروا عليهم . وللذين كفروا منهم عذاب النار في الآخرة , لا ينفعهم فيه ما أنفقوا في الحياة الدنيا بلا إيمان ولا تقوى:
كنتم خير أمة أخرجت للناس . تأمرون بالمعروف , وتنهون عن المنكر , وتؤمنون بالله . ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم . منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون . لن يضروكم إلا أذى , وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباؤوا بغضب من الله , وضربت عليهم المسكنة . ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله , ويقتلون الأنبياء بغير حق . ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . ليسوا سواء . من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر , ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات , وأولئك من الصالحين . وما يفعلوا من خير فلن يكفروه , والله عليم بالمتقين . إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا , وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر , أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته . وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون . .
إن شطر الآية الأولى في هذه المجموعة يضع على كاهل الجماعة المسلمة في الأرض واجبا ثقيلا , بقدر ما يكرم هذه الجماعة ويرفع مقامها , ويفردها بمكان خاص لا تبلغ إليه جماعة أخرى: