إنها صورة كاملة السمات , ناطقة بدخائل النفوس , وشواهد الملامح , تسجل المشاعر الباطنة , والانفعالات الظاهرة , والحركة الذاهبة الآيبة . وتسجل بذلك كله نموذجا بشريا مكرورا في كل زمان وفي كل مكان . ونستعرضها اليوم وغدا فيمن حول الجماعة المسلمة من أعداء . يتظاهرون للمسلمين - في ساعة قوة المسلمين وغلبتهم - بالمودة . فتكذبهم كل خالجة وكل جارحة . وينخدع المسلمون بهم فيمنحونهم الود والثقة , وهم لا يريدون للمسلمين إلا الاضطراب والخبال , ولا يقصرون في اعنات المسلمين ونثر الشوك في طريقهم , والكيد لهم والدس , ما واتتهم الفرصة في ليل أو نهار .
وما من شك أن هذه الصورة التي رسمها القرآن الكريم هذا الرسم العجيب , كانت تنطبق ابتداء على أهل الكتاب المجاورين للمسلمين في المدينة ; وترسم صورة قوية للغيظ الكظيم الذي كانوا يضمرونه للإسلام والمسلمين , وللشر المبيت , وللنوايا السيئة التي تجيش في صدورهم ; في الوقت الذي كان بعض المسلمين ما يزال مخدوعا في أعداء الله هؤلاء , وما يزال يفضي إليهم بالمودة , وما يزال يأمنهم على أسرار الجماعة المسلمة ; ويتخذ منهم بطانة وأصحابا وأصدقاء , لا يخشى مغبة الإفضاء إليهم بدخائل الأسرار . . فجاء هذا التنوير وهذا التحذير , يبصر الجماعة المسلمة بحقيقة الأمر , ويوعيها لكيد أعدائها الطبيعيين , الذين لا يخلصون لها أبدا , ولا تغسل أحقادهم مودة من المسلمين وصحبة . ولم يجيء هذا التنوير وهذا التحذير ليكون مقصورا على فترة تاريخية معينة , فهو حقيقة دائمة , تواجه واقعا دائما . . كما نرى مصداق هذا فيما بين أيدينا من حاضر مكشوف مشهود . .
والمسلمون في غفلة عن أمر ربهم:ألا يتخذوا بطانة من دونهم . بطانة من ناس هم دونهم في الحقيقة والمنهج والوسيلة . وألا يجعلوهم موضع الثقة والسر والاستشارة . . المسلمون في غفلة عن أمر ربهم هذا يتخذون من أمثال هؤلاء مرجعا في كل أمر , وكل شأن , وكل موضع , وكل نظام , وكل تصور , وكل منهج , وكل طريق !
والمسلمون في غفلة من تحذير الله لهم , يوادون من حاد الله ورسوله ; ويفتحون لهم صدورهم وقلوبهم . والله سبحانه يقول للجماعة المسلمة الأولى كما يقول للجماعة المسلمة في أي جيل:
(ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر). .
والله سبحانه يقول:
(ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم , وتؤمنون بالكتاب كله , وإذا لقوكم قالوا:آمنا , وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ). .
والله سبحانه يقول:
(إن تمسسكم حسنة تسؤهم , وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها). .
ومرة بعد مرة تصفعنا التجارب المرة , ولكننا لا نفيق . . ومرة بعد مرة نكشف عن المكيدة والمؤامرة تلبس أزياء مختلفة ولكننا لا نعتبر . ومرة بعد مرة تنفلت ألسنتهم فتنم عن أحقادهم التي لا يذهب بها ود يبذله