(والله سميع عليم). .
ويا له من مشهد , الله حاضره ! ويا له من موقف , الله شاهده ! ويا لها من رهبة إذن ومن روعة تحف به , وتخالط كل ما دار فيه من تشاور . والسرائر مكشوفة فيه لله . وهو يسمع ما تقوله الألسنة ويعلم ما تهمس به الضمائر .
واللمسة الثانية في هذا المشهد الأول , هي حركة الضعف والفشل التي راودت قلوب طائفتين من المسلمين ; بعد تلك الحركة الخائنة التي قام بها رأس النفاق "عبد الله بن أبي بن سلول" حين انفصل بثلث الجيش , مغضبا أن الرسول [ ص ] لم يأخذ برأيه , واستمع إلى شباب أهل المدينة ! وقال: (لو نعلم قتالا لاتبعناكم !)فدل بهذا على أن قلبه لم يخلص للعقيدة ; وأن شخصه ما يزال يملأ قلبه , ويطغى في ذلك القلب على العقيدة . . العقيدة التي لا تحتمل شركة في قلب صاحبها , ولا تطيق لها فيه شريكا ! فإما أن يخلص لها وحدها , وإما أن تجانبه هي وتجتويه !
(إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا , والله وليهما , وعلى الله فليتوكل المؤمنون). .
وهاتان الطائفتان - كما ورد في الصحيح - من حديث سفيان بن عيينة - هما بنو حارثة وبنو سلمة . أثرت فيهما حركة عبد الله بن أبي , وما أحدثته من رجة في الصف المسلم , من أول خطوة في المعركة . فكادتا تفشلان وتضعفان . لولا أن أدركتهما ولاية الله وتثبيته , كما أخبر هذا النص القرآني:
(والله وليهما). .
قال عمر - رضي الله عنه - سمعت جابر بن عبد الله يقول:فينا نزلت: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا). . قال:نحن الطائفتان . . بنو حارثة وبنو سلمة . . وما نحب [ أو وما يسرني ] أنها لم تنزل , لقوله تعالى: (والله وليهما). . [ رواه البخاري ومسلم ] . .
وهكذا يكشف الله المخبوء في مكنونات الضمائر ; والذي لم يعلمه إلا أهله , حين حاك في صدورهم لحظة ; ثم وقاهم الله إياه , وصرفه عنهم , وأيدهم بولايته , فمضوا في الصف . . يكشفه لاستعادة أحداث المعركة , واستحياء وقائعها ومشاهدها . ثم . . لتصوير خلجات النفوس , وإشعار أهلها حضور الله معهم , وعلمه بمكنونات ضمائرهم - كما قال لهم: (والله سميع عليم)- لتوكيد هذه الحقيقة وتعميقها في حسهم . ثم لتعريفهم كيف كانت النجاة ; وإشعارهم عون الله وولايته ورعايته حين يدركهم الضعف , ويدب فيهم الفشل , ليعرفوا أين يتوجهون حين يستشعرون شيئا من هذا وأين يلتجئون . ومن ثم يوجههم هذا الوجه الذي لا وجه غيره للمؤمنين:
(وعلى الله فليتوكل المؤمنون). .
على وجه القصر والحصر . . على الله وحده فليتوكل المؤمنون . فليس لهم - إن كانوا مؤمنين - إلا هذا السند المتين .
وهكذا نجد في الآيتين الأوليين , اللتين يستحضر بهما القرآن مشهد المعركة وجوها , هذين التوجيهين الكبيرين الأساسيين في التصور الإسلامي , وفي التربية الإسلامية:
(والله سميع عليم). .
(وعلى الله فليتوكل المؤمنون). .