نجدهما في أوانهما المناسب , وفي جوهما المناسب ; حيث يلقيان كل إيقاعاتهما , وكل إيحاءاتهما , في الموعد المناسب ; وقد تهيأت القلوب للتلقي والاستجابة والانطباع . . ويتبين - من هذين النصين التمهيديين - كيف يتولى القرآن استحياء القلوب وتوجيهها وتربيتها ; بالتعقيب على الأحداث , وهي ساخنة ! ويتبين الفرق بين رواية القرآن للأحداث وتوجيهها , وبين سائر المصادر التي قد تروي الأحداث بتفصيل أكثر ; ولكنها لا تستهدف القلب البشري , والحياة البشرية , بالإحياء والاستجاشة , وبالتربية والتوجيه . كما يستهدفها القرآن الكريم , بمنهجه القويم .
الدرس الثاني:123 - 129 تذكير بمعجزة النصر في بدر
هكذا يبدأ الحديث عن المعركة التي لم ينتصر فيها المسلمون - وقد كادوا - وهي قد بدأت بتغليب الاعتبارات الشخصية على العقيدة عند المنافق عبد الله بن أبي ; وتابعه في حركته أتباعه الذين غلبوا اعتباره الشخصي على عقيدتهم . وبالضعف الذي كاد يدرك طائفتين صالحتين من المسلمين . ثم انتهت بالمخالفة عن الخطة العسكرية تحت مطارق الطمع في الغنيمة ! فلم تغن النماذج العالية التي تجلت في المعركة , عن المصير الذي انتهت إليه , بسبب ذلك الخلل في الصف , وبسبب ذلك الغبش في التصور . .
وقبل أن يمضي في الاستعراض والتعقيب على أحداث المعركة التي انتهت بالهزيمة , يذكرهم بالمعركة التي انتهت بالنصر - معركة بدر - لتكون هذه أمام تلك , مجالا للموازنة وتأمل الأسباب والنتائج ; ومعرفة مواطن الضعف ومواطن القوة , وأسباب النصر وأسباب الهزيمة . ثم - بعد ذلك - ليكون اليقين من أن النصر والهزيمة كليهما قدر من أقدار الله ; لحكمة تتحقق من وراء النصر كما تتحقق من وراء الهزيمة سواء . وأن مرد الأمر في النهاية إلى الله على كلا الحالين , وفي جميع الأحوال:
(ولقد نصركم الله ببدر - وأنتم أذلة - فاتقوا الله لعلكم تشكرون . إذ تقول للمؤمنين:ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ? بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا , يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين . وما جعله الله إلا بشرى لكم , ولتطمئن قلوبكم به . وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم . ليقطع طرفا من الذين كفروا , أو يكبتهم فينقلبوا خائبين - ليس لك من الأمر شيء - أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . ولله ما في السماوات وما في الأرض , يغفر لمن يشاء , ويعذب من يشاء والله غفور رحيم). .
والنصر في بدر كان فيه رائحة المعجزة - كما أسلفنا - فقد تم بغير أداة من الأدوات المادية المألوفة للنصر . لم تكن الكفتان فيها - بين المؤمنين والمشركين - متوازنتين ولا قريبتين من التوازن . كان المشركون حوالي ألف , خرجوا نفيرا لاستغاثة أبي سفيان , لحماية القافلة التي كانت معه , مزودين بالعدة والعتاد , والحرص على الأموال , والحمية للكرامة . وكان المسلمون حوالي ثلاثمائة , لم يخرجوا لقتال هذه الطائفة ذات الشوكة , إنما خرجوا لرحلة هينة . لمقابلة القافلة العزلاء وأخذ الطريق عليها ; فلم يكن معهم - على قلة العدد - إلا القليل من العدة . وكان وراءهم في المدينة مشركون لا تزال لهم قوتهم , ومنافقون لهم مكانتهم , ويهود يتربصون بهم . . وكانوا هم بعد ذلك كله قلة مسلمة في وسط خضم من الكفر والشرك في الجزيرة . ولم تكن قد زالت عنهم بعد صفة أنهم مهاجرون مطاردون من مكة , وأنصار آووا هؤلاء المهاجرين ولكنهم ما يزالون نبته غير مستقرة في هذه البيئة !
فبهذا كله يذكرهم الله - سبحانه - ويرد ذلك النصر إلى سببه الأول في وسط هذه الظروف: