ولكن هذا إنما جاء مع الزمن , ومع الأحداث , ومع التربية بالأحداث , والتربية بالتعقيب على الأحداث . . كهذا التعقيب , ونظائره الكثيرة , في هذه السورة . .
وفي هذه الآيات يستحضر مشهد بدر والرسول [ ص ] يعدهم الملائكة مددا من عند الله ; إذا هم استمسكوا بالصبر والتقوى والثبات في المعركة - حين يطلع المشركون عليهم من وجههم هذا . . ثم يخبرهم بحقيقة المصدر الفاعل - من وراء نزول الملائكة - وهو الله . الذي تتعلق الأمور كلها بإرادته , ويتحقق النصر بفعله وإذنه .
(الله العزيز الحكيم). .
فهو(العزيز)القوي ذو السلطان القادر على تحقيق النصر . وهو(الحكيم)الذي يجري قدره وفق حكمته , والذي يحقق هذا النصر ليحقق من ورائه حكمة . .
ثم يبين حكمة هذا النصر . . أي نصر . . وغاياته التي ليس لأحد من البشر منها شيء:
(ليقطع طرفا من الذين كفروا . أو يكبتهم فينقلبوا خائبين - ليس لك من الأمر شيء - أو يتوب عليهم . أو يعذبهم فإنهم ظالمون). .
إن النصر من عند الله . لتحقيق قدر الله . وليس للرسول [ ص ] ولا للمجاهدين معه في النصر من غاية ذاتية ولا نصيب شخصي . كما أنه ليس له ولا لهم دخل في تحقيقه , وإن هم إلا ستار القدرة تحقق بهم ما تشاء ! فلا هم أسباب هذا النصر وصانعوه ; ولا هم أصحاب هذا النصر ومستغلوه ! إنما هو قدر الله يتحقق بحركة رجاله , وبالتأييد من عنده . لتحقيق حكمة الله من ورائه وقصده:
(ليقطع طرفا من الذين كفروا). .
فينقص من عددهم بالقتل , أو ينقص من أرضهم بالفتح , أو ينقص من سلطانهم بالقهر , أو ينقص من أموالهم بالغنيمة , أو ينقص من فاعليتهم في الأرض بالهزيمة !
(أو يكبتهم فينقلبوا خائبين). .
أي يصرفهم مهزومين أذلاء , فيعودوا خائبين مقهورين .
(أو يتوب عليهم). .
فإن انتصار المسلمين قد يكون للكافرين عظة وعبرة , وقد يقودهم إلى الإيمان والتسليم , فيتوب الله عليهم من كفرهم , ويختم لهم بالإسلام والهداية . .
(أو يعذبهم فإنهم ظالمون). .
يعذبهم بنصر المسلمين عليهم . أو بأسرهم . أو بموتهم على الكفر الذي ينتهي بهم إلى العذاب . . جزاء لهم على ظلمهم بالكفر , وظلمهم بفتنة المسلمين , وظلمهم بالفساد في الأرض , وظلمهم بمقاومة الصلاح الذي يمثله منهج الإسلام للحياة وشريعته ونظامه . . إلى آخر صنوف الظلم الكامنة في الكفر والصد عن سبيل الله .
وعلى أية حال فهي حكمة الله , وليس لبشر منها شيء . . حتى رسول الله [ ص ] يخرجه النص من مجال هذا الأمر , ليجرده لله وحده - سبحانه - فهو شأن الألوهية المتفردة بلا شريك .
بذلك ينسلخ المسلمون بأشخاصهم من هذا النصر:من أسبابه ومن نتائجه ! وبذلك يطامنون من الكبر الذي يثيره النصر في نفوس المنتصرين , ومن البطر والعجب والزهو الذي تنتفخ به أرواحهم وأوداجهم ! وبذلك