يشعرون أن ليس لهم من الأمر شيء , إنما الأمر كله لله أولا وأخيرا . وبذلك يرد أمر الناس - طائعهم وعاصيهم - إلى الله . فهذا الشأن شأن الله وحده - سبحانه . شأن هذه الدعوة وشأن هؤلاء الناس معها:طائعهم وعاصيهم سواء . . وليس للنبي [ ص ] وليس للمؤمننين معه إلا أن يؤدوا دورهم , ثم ينفضوا أيديهم من النتائج , وأجرهم من الله على الوفاء , وعلى الولاء , وعلى الأداء .
وملابسة أخرى في السياق اقتضت هذا التنصيص: (ليس لك من الأمر شيء)فسيرد في السياق قول بعضهم: (هل لنا من الأمر من شيء ?). . وقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا . . . ليقول لهم:إن أحدا ليس له من الأمر من شيء . لا في نصر ولا في هزيمة . إنما الطاعة والوفاء والأداء هي المطلوبة من الناس . وأما الأمر بعد ذلك فكله لله . ليس لأحد منه شيء . ولا حتى لرسول الله . . فهي الحقيقة الأصيلة في التصور الإسلامي . وإقرارها في النفوس أكبر من الأشخاص وأكبر من الأحداث , وأكبر من شتى الاعتبارات . .
ويختم هذا التذكير ببدر , وهذا التقرير للحقائق الأصيلة في التصور , بالحقيقة الشاملة التي ترجع إليها حقيقة أن أمر النصر والهزيمة مرده إلى حكمة الله وقدره . . يختم هذا التقرير بتقرير أصله الكبير:وهو أن الأمر لله في الكون كله , ومن ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفق ما يشاء:
(ولله ما في السماوات وما في الأرض . يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء , والله غفور رحيم). .
فهي المشيئة المطلقة , المستندة إلى الملكية المطلقة . وهو التصرف المطلق في شأن العباد , بحكم هذه الملكية لما في السماوات وما في الأرض . وليس هنالك ظلم ولا محاباة للعباد , في المغفرة أو في العذاب . إنما يقضي الأمر في هذا الشأن بالحكمة والعدل , وبالرحمة والمغفرة . فشأنه - سبحانه - الرحمة والمغفرة:
(والله غفور رحيم). .
والباب مفتوح أمام العباد لينالوا مغفرته ورحمته , بالعودة إليه , ورد الأمر كله له , وأداء الواجب المفروض , وترك ما وراء ذلك لحكمته وقدره ومشيئته المطلقة من وراء الوسائل والأسباب .
الدرس الثالث:130 - 136 تحريم الربا ودعوة إلى محاسن الأخلاق قبيل المعركة
وقبل أن يدخل السياق في صميم الاستعراض للمعركة - معركة أحد - والتعقيبات على وقائعها وأحداثها . . تجيء التوجيهات المتعلقة بالمعركة الكبرى , التي المعنا في مقدمة الحديث إليها . المعركة في أعماق النفس وفي محيط الحياة . . يجيء الحديث عن الربا والمعاملات الربوية وعن تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله . وعن الإنفاق في السراء والضراء , والنظام التعاوني الكريم المقابل للنظام الربوي الملعون . وعن كظم الغيظ والعفو عن الناس وإشاعة الحسنى في الجماعة . وعن الاستغفار من الذنب والرجوع إلى الله وعدم الإصرار على الخطيئة:
(يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة , واتقوا الله لعلكم تفلحون . واتقوا النار التي أعدت للكافرين . وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون . وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين:الذين ينفقون في السراء والضراء , والكاظمين الغيظ , والعافين عن الناس . والله يحب المحسنين . والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله ? - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . ونعم أجر العاملين). .
تجيء هذه التوجيهات كلها قبل الدخول في سياق المعركة الحربية ; لتشير إلى خاصية من خواص هذه العقيدة: