والتعبير هنا يصور أداء هذه الطاعات في صورة حسية حركية . . يصوره سباقا إلى هدف أو جائزة تنال:
(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم). . (وجنة عرضها السماوات والأرض). . سارعوا فهي هناك:المغفرة والجنة . . (أعدت للمتقين). .
ثم يأخذ في بيان صفات المتقين:
(الذين ينفقون في السراء والضراء). .
فهم ثابتون على البذل , ماضون على النهج , لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء . السراء لا تبطرهم فتلهيهم . والضراء لا تضجرهم فتنسيهم . إنما هو الشعور بالواجب في كل حال ; والتحرر من الشح والحرص ; ومراقبة الله وتقواه . . وما يدفع النفس الشحيحة بطبعها , المحبة للمال بفطرتها . . ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال , إلا دافع أقوى من شهوة المال , وربقة الحرص , وثقلة الشح . . دافع التقوى . ذلك الشعور اللطيف العميق , الذي تشف به الروح وتخلص , وتنطلق من القيود والأغلال . .
ولعل للتنويه بهذه الصفة مناسبة خاصة كذلك في جو هذه المعركة . فنحن نرى الحديث عن الإنفاق يتكرر فيها , كما نرى التنديد بالممتنعين والمانعين للبذل - كما سيأتي في السياق القرآني - مكررا كذلك . مما يشير إلى ملابسات خاصة في جو الغزوة , وموقف بعض الفئات من الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله .
(والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس). .
كذلك تعمل التقوى في هذا الحقل , بنفس البواعث ونفس المؤثرات . فالغيظ انفعال بشري , تصاحبه أو تلاحقه فورة في الدم ; فهو إحدى دفعات التكوين البشري , وإحدى ضروراته . وما يغلبه الإنسان إلا بتلك الشفافية اللطيفة المنبعثة من إشراق التقوى ; وإلا بتلك القوة الروحية المنبثقة من التطلع إلى أفق أعلى وأوسع من آفاق الذات والضرورات .
وكظم الغيظ هو المرحلة الأولى . وهي وحدها لا تكفي . فقد يكظم الإنسان غيظه ليحقد ويضطغن ; فيتحول الغيظ الفائر إلى إحنة غائرة ; ويتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين . . وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن . . لذلك يستمر النص ليقرر النهاية الطليقة لذلك الغيظ الكظيم في نفوس المتقين . . إنها العفو والسماحة والانطلاق . .
إن الغيظ وقر على النفس حين تكظمه ; وشواظ يلفح القلب ; ودخان يغشى الضمير . . فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب , فهو الانطلاق من ذلك الوقر , والرفرفة في آفاق النور , والبرد في القلب , والسلام في الضمير .
(والله يحب المحسنين). .
والذين يجودون بالمال في السراء والضراء محسنون . والذين يجودون بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون . . والله "يحب" المحسنين . . والحب هنا هو التعبير الودود الحاني المشرق المنير , الذي يتناسق مع ذلك الجو اللطيف الوضيء الكريم . .
ومن حب الله للإحسان وللمحسنين , ينطلق حب الإحسان في قلوب أحبائه . وتنبثق الرغبة الدافعة في هذه القلوب . . فليس هو مجرد التعبير الموحي , ولكنها الحقيقة كذلك وراء التعبير !
والجماعة التي يحبها الله , وتحب الله . . والتي تشيع فيها السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان . . هي