(وما كان قولهم إلا أن قالوا:ربنا اغفر لنا ذنوبنا , وإسرافنا في أمرنا , وثبت أقدامنا , وانصرنا على القوم الكافرين). .
إنهم لم يطلبوا نعمة ولا ثراء . بل لم يطلبوا ثوابا ولا جزاء . . لم يطلبوا ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة . لقد كانوا أكثر أدبا مع الله , وهم يتوجهون إليه , بينما هم يقاتلون في سبيله . فلم يطلبوا منه - سبحانه - إلا غفران الذنوب , وتثبيت الأقدام . . والنصر على الكفار . فحتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم إنما يطلبونه هزيمة للكفر وعقوبة للكفار . . إنه الأدب اللائق بالمؤمنين في حق الله الكريم .
وهؤلاء الذين لم يطلبوا لأنفسهم شيئا , أعطاهم الله من عنده كل شيء . أعطاهم من عنده كل ما يتمناه طلاب الدنيا وزيادة . وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلاب الآخرة ويرجونه:
(فآتاهم الله ثواب الدنيا , وحسن ثواب الآخرة). .
وشهد لهم - سبحانه - بالإحسان . فقد أحسنوا الأدب وأحسنوا الجهاد , وأعلن حبه لهم . وهو أكبر من النعمة وأكبر من الثواب:
(والله يحب المحسنين). .
وهكذا تنتهي هذه الفقرة في الاستعراض ; وقد تضمنت تلك الحقائق الكبيرة في التصور الإسلامي . وقد أدت هذا الدور في تربية الجماعة المسلمة . وقد ادخرت هذا الرصيد للأمة المسلمة في كل جيل . .
الدرس السادس:149 - 158 مقدمة الدرس:أهم أحداث المعركة وتصحيح التصور
ثم يمضي السياق خطوة أخرى في استعراض أحداث المعركة ; واتخاذها محورا للتعقيبات , يتوخى بها تصحيح التصور , وتربية الضمائر , والتحذير من مزالق الطريق , والتنبيه إلى ما يحيط بالجماعة المسلمة من الكيد , وما يبيته لها أعداؤها المتربصون:
ولقد كانت الهزيمة في أحد مجالا لدسائس الكفار والمنافقين واليهود في المدينة . وكانت المدنية لم تخلص بعد للإسلام ; بل لا يزال المسلمون فيها نبتة غريبة إلى حد كبير . نبتة غريبة أحاطتها "بدر" بسياج من الرهبة , بما كان فيها من النصر الأبلج . فلما كانت الهزيمة في أحد تغير الموقف إلى حد كبير ; وسنحت الفرصة لهؤلاء الأعداء المتربصين أن يظهروا أحقادهم , وأن ينفثوا سمومهم ; وأن يجدوا في جو الفجائع التي دخلت كل بيت من بيوت المسلمين - وبخاصة بيوت الشهداء ومن أصابتهم الجراح المثخنة - ما يساعد على ترويج الكيد والدس والبلبلة في الأفكار والصفوف .
وفي هذه الفقرة التالية من الاستعراض القرآني الموجه - وهي تمثل جسم المعركة وأضخم مشاهدها - نسمع الله سبحانه يدعو الذين آمنوا ليحذرهم من طاعة الذين كفروا ; ونسمعه - سبحانه - يعدهم النصر على عدوهم , وإلقاء الرعب في قلبه ; ويذكرهم بالنصر الذي حققه لهم في أول المعركة , حسب وعده لهم ; والذي إنما أضاعوه هم بضعفهم ونزاعهم وخلافهم عن أمر رسول الله [ ص ] ثم يستحضر مشهد المعركة بشطريه , في صورة فائضة بالحيوية والحركة . ثم ما أعقب الهزيمة والفزع , من إنزال الطمأنينة في قلوب المؤمنين منهم ; بينما القلق والحيرة والحسرة تأكل قلوب المنافقين , الذين ساء ظنهم بالله سبحانه . ويكشف لهم كذلك عن جانب من حكمته الخفية وتدبيره اللطيف , في سير الأحداث سيرتها تلك , مع تقرير حقيقة قدر الله في آجال العباد . ويحذرهم في نهاية هذه الفقرة من ضلال التصورات التي يشيعها الكفار في قضية الموت