كي يعمق وقع المشهد في حسهم ; ويثير الخجل والحياء من الفعل , ومقدماته التي نشأ عنها , من الضعف والتنازع والعصيان . . والعبارة ترسم صورة حركتهم الحسية وحركتهم النفسية في الفاظ قلائل . . فهم مصعدون في الجبل هربا , في اضطراب ورعب ودهش , لا يلتفت أحد منهم إلى أحد ! ولا يجيب أحد منهم داعي أحد ! والرسول [ ص ] يدعوهم , ليطمئنهم على حياته بعد ما صاح صائح:إن محمدا قد قتل , فزلزل ذلك قلوبهم وأقدامهم . . إنه مشهد كامل في الفاظ قلائل . . وكانت النهاية أن يجزيهم الله على الغم الذي تركوه في نفس الرسول [ ص ] بفرارهم , غما يملأ نفوسهم على ما كان منهم , وعلى تركهم رسولهم الحبيب يصيبه ما أصابه - وهو ثابت دونهم , وهم عنه فارون - ذلك كي لا يحفلوا شيئا فاتهم ولا أذى أصابهم . فهذه التجربة التي مرت بهم , وهذا الألم الذي أصاب نبيهم - وهو أشق عليهم من كل ما نزل بهم - وذلك الندم الذي ساور نفوسهم , وذلك الغم الذي أصابهم . . كل ذلك سيصغر في نفوسهم كل ما يفوتهم من عرض , وكل ما يصيبهم من مشقة:
(فأثابكم غما بغم , لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم). .
والله المطلع على الخفايا , يعلم حقيقة أعمالكم , ودوافع حركاتكم:
(والله خبير بما تعملون). .
ولقد أعقب هول الهزيمة وذعرها , وهرجها ومرجها , سكون عجيب . سكون في نفوس المؤمنين الذين ثابوا إلى ربهم , وثابوا إلى نبيهم . لقد شملهم نعاس لطيف يستسلمون إليه مطمئنين !
والتعبير عن هذه الظاهرة العجيبة يشف ويرق وينعم , حتى ليصور بجرسه وظله ذلك الجو المطمئن الوديع:
(ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم). .
وهي ظاهرة عجيبة تشي برحمة الله التي تحف بعباده المؤمنين ; فالنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين , ولو لحظة واحدة , يفعل في كيانهم فعل السحر , ويردهم خلقا جديدا , ويسكب في قلوبهم الطمأنينة , كما يسكب في كيانهم الراحة . بطريقة مجهولة الكنه والكيف ! أقول هذا وقد جربته في لحظة كرب وشدة . فأحسست فيه رحمة الله الندية العميقة بصورة تعجز عن وصفها العبارة البشرية القاصرة !
روى الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد ابن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال:" رفعت رأسي يوم أحد , وجعلت أنظر , وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت جحفته من النعاس " .
وفي رواية أخرى عن أبي طلحة:" غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد , فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه , ويسقط وآخذه " . .
أما الطائفة الأخرى ; فهم ذوو الإيمان المزعزع , الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم , والذين لم يتخلصوا من تصورات الجاهلية , ولم يسلموا أنفسهم كلها لله خالصة , ولم يستسلموا بكليتهم لقدره , ولم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء للتمحيص , وليس تخليا من الله عن أوليائه لأعدائه , ولا قضاء منه - سبحانه - للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل:
(وطائفة قد أهمتهم أنفسهم , يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية . يقولون:هل لنا من الأمر من شيء ?). .
أن هذه العقيدة تعلم أصحابها - فيما تعلم - أن ليس لهم في أنفسهم شيء , فهم كلهم لله ; وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له , ويتحركون له , ويقاتلون له , بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد ,