|
في ظلال القرآن
الكريم
آل عمران من الاية 154 الى الاية 155 ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مّöن بَعْدö الْغَمّö أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئöفَةً مّöنكُمْ وَطَآئöفَةñ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بöاللّهö غَيْرَ الْحَقّö ظَنَّ الْجَاهöلöيَّةö يَقُولُونَ هَل لَّنَا مöنَ الأَمْرö مöن شَيْءٍ قُلْ إöنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لöلَّهö يُخْفُونَ فöي أَنفُسöهöم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مöنَ الأَمْرö شَيْءñ مَّا قُتöلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فöي بُيُوتöكُمْ لَبَرَزَ الَّذöينَ كُتöبَ عَلَيْهöمُ الْقَتْلُ إöلَى مَضَاجöعöهöمْ وَلöيَبْتَلöيَ اللّهُ مَا فöي صُدُورöكُمْ وَلöيُمَحَّصَ مَا فöي قُلُوبöكُمْ وَاللّهُ عَلöيمñ بöذَاتö الصُّدُورö (154) إöنَّ الَّذöينَ تَوَلَّوْاْ مöنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانö إöنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بöبَعْضö مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إöنَّ اللّهَ غَفُورñ حَلöيمñ (155)
وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره , فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم , كائنا هذا القدر ما يكون . فأما الذين تهمهم أنفسهم , وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم , ومحور اهتمامهم وانشغالهم . . فهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان . ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا الموضع . طائفة الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم , فهم في قلق وفي أرجحة , يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح في تصورهم , ويرون أنهم دفعوا إلى المعركة دفعا ولا إرادة لهم فيها ; وهم مع ذلك يتعرضون للبلاء المرير , ويؤدون الثمن فادحا من القتل والقرح والألم . . وهم لا يعرفون الله على حقيقته , فهم يظنون بالله غير الحق , كما تظن الجاهلية . ومن الظن غير الحق بالله أن يتصوروا أنه - سبحانه - مضيعهم في هذه المعركة , التي ليس لهم من أمرها شيء , وإنما دفعوا إليها دفعا ليموتوا ويجرحوا , والله لا ينصرهم ولا ينقذهم ; إنما يدعهم فريسة لأعدائهم , ويتساءلون: (هل لنا من الأمر من شيء ?). وتتضمن قولتهم هذه الاعتراض على خطة القيادة والمعركة . . ولعلهم ممن كان رأيهم عدم الخروج من المدينة ; ممن لم يرجعوا مع عبد الله بن أبي . . ولكن قلوبهم لم تكن قد استقرت واطمأنت . . وقبل أن يكمل السياق عرض وساوسهم وظنونهم , يبادر بتصحيح الأمر وتقرير الحقيقة فيما يتساءلون فيه , ويرد على قولتهم: (هل لنا من الأمر من شيء ?). (قل:إن الأمر كله لله). . فلا أمر لأحد . لا لهم ولا لغيرهم . ومن قبل قال الله لنبيه [ ص ] (ليس لك من الأمر شيء). فأمر هذا الدين , والجهاد لإقامته وتقرير نظامه في الأرض , وهداية القلوب له . . كلها من أمر الله , وليس للبشر فيها من شيء , إلا أن يؤدوا واجبهم , ويفوا ببيعتهم , ثم يكون ما يشاؤه الله كيف يكون ! ويكشف كذلك خبيئة نفوسهم قبل أن يكمل عرض وساوسهم وظنونهم: (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك). . فنفوسهم ملأى بالوساوس والهواجس , حافلة بالاعتراضات والاحتجاجات ; وسؤالهم: (هل لنا من الأمر من شيء). . يخفي وراءه شعورهم بأنهم دفعوا إلى مصير لم يختاروه ! وأنهم ضحية سوء القيادة , وأنهم لو كانوا هم الذين يديرون المعركة ما لاقوا هذا المصير . (يقولون:لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا). . وهو الهاجس الذي يجيش في النفوس التي لم تخلص للعقيدة , حينما تصطدم في موقعة بالهزيمة , وحينما تعاني آلام الهزيمة ! حين ترى الثمن أفدح مما كانت تظن ; وأن الثمرة أشد مرارة مما كانت تتوقع ; وحين تفتش في ضمائرها فلا ترى الأمر واضحا ولا مستقرا ; وحين تتخيل أن تصرف القيادة هو الذي القى بها في هذه المهلكة , وكانت في نجوة من الأمر لو كان أمرها في يدها ! وهي لا يمكن - بهذا الغبش في التصور - أن ترى يد الله وراء الأحداث , ولا حكمته في الابتلاء . إنما المسألة كلها - في اعتبارها - خسارة في خسارة ! وضياع في ضياع ! هنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله . لأمر الحياة والموت . ولأمر الحكمة الكامنة وراء الابتلاء: (قل:لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . وليبتلي الله ما في صدوركم , وليمحص ما في قلوبكم , والله عليم بذات الصدور). . قل لو كنتم في بيوتكم ; ولم تخرجوا للمعركة تلبية لنداء القيادة , وكان أمركم كله لتقديركم . . لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . . إن هنالك أجلا مكتوبا لا يستقدم ولا يستأخر . وإن هنالك مضجعا مقسوما لا بد أن يجيء إليه صاحبه فيضجع فيه ! فإذا حم الأجل , سعى صاحبه بقدميه إليه , وجاء إلى مضجعه برجليه , لا يسوقه أحد إلى أجله المرسوم , ولا يدفعه أحد إلى مضجعه المقسوم ! ويا للتعبير العجيب . . "إلى مضاجعهم" . . فهو مضجع إذن ذلك الرمس الذي تستريح فيه الجنوب , وتسكن فيه الخطى , وينتهي إليه الضاربون في الأرض . . مضجع يأتون إليه بدافع خفي لا يدركونه ولا يملكونه , إنما هو يدركهم ويملكهم ; ويتصرف في أمرهم كما يشاء . والاستسلام له أروح للقلب , وأهدأ للنفس , وأريح للضمير ! إنه قدر الله . ووراءه حكمته: (وليبتلي الله ما في صدوركم , وليمحص ما في قلوبكم). . فليس كالمحنة محك يكشف ما في الصدور , ويصهر ما في القلوب , فينفي عنها الزيف والرياء , ويكشفها على حقيقتها بلا طلاء . . فهو الابتلاء والاختبار لما في الصدور , ليظهر على حقيقته , وهو التطهير والتصفية للقلوب , فلا يبقى فيها دخل ولا زيف . وهو التصحيح والتجلية للتصور ; فلا يبقى فيه غبش ولا خلل: (والله عليم بذات الصدور). وذات الصدور هي الأسرار الخفية الملازمة للصدور , المختبئة فيها , المصاحبة لها , التي لا تبارحها ولا تتكشف في النور ! والله عليم بذات الصدور هذه . ولكنه - سبحانه - يريد أن يكشفها للناس , ويكشفها لأصحابها أنفسهم , فقد لا يعلمونها من أنفسهم , حتى تنفضها الأحداث وتكشفها لهم ! ولقد علم الله دخيلة الذين هزموا وفورا يوم التقى الجمعان في الغزوة . إنهم ضعفوا وتولوا بسبب معصية ارتكبوها ; فظلت نفوسهم مزعزعة بسببها , فدخل عليهم الشيطان من ذلك المنفذ , واستزلهم فزلوا وسقطوا: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا . ولقد عفا الله عنهم , إن الله غفور حليم). . وقد تكون الإشارة في هذه الآية خاصة بالرماة الذين جال في نفوسهم الطمع في الغنيمة كما جال فيها أن رسول الله سيحرمهم أنصبتهم . فكان هذا هو الذي كسبوه , وهو الذي استزلهم الشيطان به . . ولكنها في عمومها تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئة , فتفقد ثقتها في قوتها , ويضعف بالله ارتباطها , ويختل توازنها وتماسكها , وتصبح عرضة للوساوس والهواجس , بسبب تخلخل صلتها بالله وثقتها من رضاه ! وعندئذ يجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس , فيقودها إلى الزلة بعد الزلة , وهي بعيدة عن الحمى الآمن , والركن الركين . ومن هنا كان الاستغفار من الذنب هو أول ما توجه به الربيون الذين قاتلوا مع النبيين في مواجهة الأعداء . الاستغفار الذي يردهم إلى الله , ويقوي صلتهم به , ويعفي قلوبهم من الأرجحة , ويطرد عنهم الوساوس , ويسد الثغرة التي يدخل منها الشيطان , ثغرة الانقطاع عن الله , والبعد عن حماه . هذه الثغرة التي يدخل منها فيزل أقدامهم مرة ومرة , حتى ينقطع بهم في التيه , بعيدا بعيدا عن الحمى الذي لا ينالهم فيه ! السابق - التالي
|