هذه هي القيم , وهذا هو مجال الطمع ! ومجال الاختيار . وهذا هو ميدان الكسب والخسارة . وشتان بين من يتبع رضوان الله فيفوز به , ومن يعود وفي وطابه سخط الله ! يذهب به إلى جهنم . . وبئس المصير !
هذه درجة وهذه درجة . . وشتان شتان:
(هم درجات عند الله). .
وكل ينال درجته باستحقاق , فلا ظلم ولا إجحاف , ولا محاباة ولا جزاف !
(والله بصير بما يعملون . .
ثم يختم الفقرة بالرجوع إلى محورها الأصيل:شخص الرسول [ ص ] ورسالته وعظم المنة بها على المؤمنين .
(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم , يتلو عليهم آياته , ويزكيهم , ويعلمهم الكتاب والحكمة , وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). .
إن ختام هذه الفقرة بهذه الحقيقة الكبيرة . حقيقة الرسول [ ص ] وقيمتها الذاتية , وعظم المنة الإلهية بها , ودورها في إنشاء هذه الأمة وتعليمها وتربيتها وقيادتها , ونقلها من الضلال المبين إلى العلم والحكمة والطهارة . . إن هذا الختام يتضمن لمسات قرآنية كثيرة منوعة عميقة:
إنها تجيء ابتداء تعقيبا على الغنائم والطمع فيها والغلول , والانشغال بهذا الأمر الصغير , الذي كان الإنشغال به هو السبب المباشر الذي قلب الموقف في المعركة , وبدل النصر هزيمة , وفعل بالمسلمين الأفاعيل . فالإشارة إلى حقيقة الرسالة الكبيرة , والمنة العظيمة المتمثلة فيها , لمسة عميقة من لمسات التربية القرآنية الفريدة . تبدو في ظلها غنائم الأرض كلها , وأسلاب الأرض كلها , وإعراض الأرض كلها , شيئا تافها زهيدا , لا يذكر ولا يقدر . شيئا تخجل النفس المؤمنة أن تذكره , بل تستحي أن تفكر فيه ! فضلا عن أن تشغل به !
وهي تجيء في سياق الحديث عن الهزيمة والقرح والألم والخسارة التي أصابت الجماعة المسلمة في المعركة . . فالإشارة إلى تلك الحقيقة الكبيرة , وما تمثله من منة عظيمة , لمسة عميقة من لمسات التربية القرآنية العجيبة , تصغر في ظلها الآلام والخسائر , وتصغر إلى جانبها الجراح والتضحيات . على حين تعظم المنة , ويتجلى العطاء الذي يرجح كل شيء في حياة الأمة المسلمة على الإطلاق .
ثم . . الإشارة إلى آثار هذه المنة في حياة الأمة المسلمة (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة , وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). . وهي تشي بالنقلة من حال إلى حال , ومن وضع إلى وضع , ومن عهد إلى عهد . فتشعر الأمة المسلمة بما وراء هذه النقلة من قدر الله الذي يريد بهذه الأمة أمرا ضخما في تاريخ الأرض , وفي حياة البشر , والذي يعدها لهذا الأمر الضخم بإرسال الرسول [ ص ] فما ينبغي لأمة هذا شأنها , أن تشغل بالها بالغنائم التي تبدو تافهة زهيدة في ظل هذا الهدف الضخم , ولا أن تجزع من التضحيات والآلام , التي تبدو هينة يسيرة في ظل هذه الغاية الكبيرة . .
هذه بعض اللمسات المستفادة من ذكر هذه المنة في هذا السياق . نذكرها باختصار وإجمال , لنواجه النص القرآني الحافل بالإيحاءات والظلال:
(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم). .
إنها المنة العظمى أن يبعث الله فيهم رسولا , وأن يكون هذا الرسول (من أنفسهم). . إن العناية من الله