أصابوا مثليها:أصابوا مثلها يوم بدر فقتلوا سبعين من صناديد قريش . وأصابوا مثلها يوم أحد في مطلع المعركة , حينما كانوا مستقيمين على أمر الله وأمر رسوله [ ص ] وقبل أن يضعفوا أمام إغراء الغنائم . وقبل أن تهجس في أنفسهم الخواطر التي لا ينبغي أن تهجس في ضمائر المؤمنين ! ويذكرهم الله هذا كله , وهو يرد على دهشتهم المتسائلة , فيرجع ما حدث لهم إلى سببه المباشر القريب:
(قل:هو من عند أنفسكم). .
أنفسكم هي التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر . وأنفسكم هي التي أخلت بشرط الله وشرط رسوله [ ص ] وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس . وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول الله وخطته للمعركة . . فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم , وتقولون:كيف هذا ? هو من عند أنفسكم , بانطباق سنة الله عليكم , حين عرضتم أنفسكم لها . فالإنسان حين يعرض نفسه لسنة الله لا بد أن تنطبق عليه , مسلما كان أو مشركا , ولا تنخرق محاباة له , فمن كمال إسلامه أن يوافق نفسه على مقتضى سنة الله ابتداء !
(إن الله على كل شيء قدير). .
ومن مقتضى قدرته أن تنفذ سنته , وأن يحكم ناموسه , وأن تمضي الأمور وفق حكمه وإرادته , وألا تتعطل سننه التي أقام عليها الكون والحياة والأحداث .
ومع هذا فقد كان قدر الله من وراء الأمر كله لحكمة يراها . وقدر الله دائما من وراء كل أمر يحدث , ومن وراء كل حركة وكل نأمة , وكل انبثاقة في هذا الكون كله:
(وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله . . .). .
لم يقع مصادفة ولا جزافا , ولم يقع عبثا ولا سدى . فكل حركة محسوب حسابها في تصميم هذا الكون ; ومقدر لها علتها ونتائجها ; وهي في مجموعها - ومع جريانها وفق السنن والقوانين الثابتة التي لا تنخرق ولا تتعطل ولا تحابي - تحقق الحكمة الكامنة وراءها ; وتكمل "التصميم" النهائي للكون في مجموعة !
إن التصور الإسلامي يبلغ من الشمول والتوازن في هذه القضية , ما لا يبلغه أي تصور آخر في تاريخ البشرية . .
هنالك ناموس ثابت وسنن حتمية . . وهناك وراء الناموس الثابت والسنن الحتمية إرادة فاعلة ومشيئة طليقة . وهناك وراء الناموس والسنن والإرادة والمشيئة حكمة مدبرة يجري كل شيء في نطاقها . . والناموس يتحكم والسنن تجري في كل شيء - ومن بينها الإنسان - والإنسان يتعرض لهذه السنن بحركاته الإرادية المختارة , وبفعله الذي ينشئه حسب تفكيره وتدبيره , فتنطبق عليه , وتؤثر فيه . . ولكن هذا كله يقع موافقا لقدر الله ومشيئته ; ويحقق في الوقت ذاته حكمته وتقديره . . وإرادة الإنسان وتفكيره وحركته وفاعليته هي جزء من سنن الله وناموسه يفعل بها ما يفعل , ويحقق بها ما يحقق في نطاق قدره وتدبيره . فليس شيء منها خارجا على السنن والناموس . ولا مقابلا لها ومناهضا لفعلها , كما يتصور الذين يضعون إرادة الله وقدره في كفة , ويضعون إرادة الإنسان وفاعليته في الكفة المقابلة . . كلا . ليس الأمر هكذا في التصور الإسلامي . . فالإنسان ليس ندا لله , ولا عدوا له كذلك . والله - سبحانه - حين وهب الإنسان كينونته وفكره وإرادته وتقديره وتدبيره وفاعليته في الأرض , لم يجعل شيئا من هذا كله متعارضا مع سنته - سبحانه - لا مناهضا لمشيئته , ولا خارجا كذلك عن الحكمة الأخيرة وراء قدره في هذا الكون الكبير . . ولكن جعل من سنته وقدره أن يقدر الإنسان ويدبر ; وأن يتحرك ويؤثر ; وأن يتعرض لسنة الله فتنطبق عليه ; وأن يلقى جزاء هذا التعرض كاملا من لذة وألم , وراحة وتعب , وسعادة وشقاوة . . وأن يتحقق من وراء هذا التعرض ونتيجته , قدر الله المحيط