هؤلاء الذين قالوا:إن الله فقير ونحن أغنياء , والذي قتلوا الأنبياء . . هم الذي يزعمون أنهم لا يؤمنون بمحمد [ ص ] لأن الله عهد إليهم - بزعمهم - ألا يؤمنوا لرسول , حتى يأتيهم بقربان يقدمونه , فتقع المعجزة , وتبهط نار تأكله , على نحو ما كانت معجزة بعض أنبياء بني إسرائيل . وما دام محمد لم يقدم لهم هذه المعجزة فهم على عهد مع الله !!
هنا يجبههم القرآن بواقعهم التاريخي . . لقد قتلوا هؤلاء الأنبياء الذين جاءوهم بالخوارق التي طلبوها وجاءوهم بآيات الله بينات:
(الذين قالوا:إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول , حتى يأتينا بقربان تأكله النار . قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم , فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ?).
وهي مجابهة قوية , تكشف عن كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر , وتبجحهم بعد ذلك وافترائهم على الله !
وهنا يلتفت إلى الرسول [ ص ] مسليا مواسيا , مهونا عليه ما يلقاه منهم , وهو ما لقيه إخوانه الكرام من الرسل على توالي العصور:
(فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك , جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير).
فما هو أول رسول يتلقى بالتكذيب . والأجيال المتعاقبة - وبخاصة من بني إسرائيل - تلقوا بالتكذيب رسلا جاءوهم بالبينات والخوارق , وجاءوهم بالصحائف المتضمنة للتوجيهات الإلهية - وهي الزبر - وجاءوهم بالكتاب المنير كالتوراة والإنجيل . . فهذا هو طريق الرسل والرسالات . . وما فيه من عناء ومشقة . وهو وحده الطريق .
الدرس الثاني:185 - 186 حقيقة الموت والنجاة ومشقة الطريق
بعد ذلك يتجه السياق إلى الجماعة المسلمة ; يحدثها عن القيم التي ينبغي لها أن تحرص عليها , وتضحي من أجلها ; ويحدثها عن أشواك الطريق ومتاعبها وآلامها , ويهيب بها إلى الصبر والتقوى والعزم والاحتمال:
(كل نفس ذائقة الموت , وإنما توفون أجوركم يوم القيامة , فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز , وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . لتبلون في أموالكم وأنفسكم , ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا , وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور). .
إنه لا بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس:حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة , محدودة بأجل ; ثم تأتي نهايتها حتما . . يموت الصالحون يموت الطالحون . يموت المجاهدون ويموت القاعدون . يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد . يموت الشجعان الذين يأبون الضيم , ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن . . يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية , ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص .
الكل يموت . . (كل نفس ذائقة الموت). . كل نفس تذوق هذه الجرعة , وتفارق هذه الحياة . . لا فارق بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة من هذه الكأس الدائرة على الجميع . إنما الفارق في شيء آخر . الفارق في قيمة أخرى . الفارق في المصير الأخير:
(وإنما توفون أجوركم يوم القيامة . فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز). .