كله , لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل . وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق . ويبطل عندها الكيد والبلبلة ويصغر عندها الابتلاء والأذى ; وتمضي في طريقها الموعود , إلى الأمل المنشود . . في صبر وفي تقوى . . وفي عزم أكيد . . الدرس الثالث:187 - 189 بيان مسؤولية العلماء وكتمان أهل الكتاب للحق
ثم يمضي السياق القرآني يفضح موقف أهل الكتاب في مخالفتهم عن عهد الله معهم يوم آتاهم الكتاب . ونبذهم له . وكتمانهم لما ائتمنهم عليه منه , حين يسألون عنه:
(وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب:لتبيننه للناس ولا تكتمونه . فنبذوه وراء ظهورهم , واشتروا به ثمنا قليلا . فبئس ما يشترون)!
وقد تضمن سياق السورة الكثير من أفاعيل أهل الكتاب وأقاويلهم - وبخاصة اليهود - وأبرز هذه الأفاعيل والأقاويل كتمانهم للحق الذي يعلمونه , ولبسه بالباطل , لإحداث البلبلة والاضطراب في مفهوم الدين , وفي صحة الإسلام , وفي وحدة الأسس والمبادىء بينه وبين الأديان قبله , وفي تصديقه لها وتصديقها له . . وكانت التوراة بين أيديهم يعلمون منها أن ما جاء به محمد حق ; وأنه من ذات المصدر الذي جاءتهم منه التوارة . .
فالآن يبدو هذا الموقف منهم بشعا غاية البشاعة ; حين ينكشف أيضا أن الله - سبحانه - قد أخذ عليهم العهد - وهو يعطيهم الكتاب - أن يبينوه للناس , ويبلغوه , ولا يكتموه أو يخفوه . وأنهم نبذوا هذا العهد مع الله - والتعبير يجسم إهمالهم وإخلافهم للعهد ; فيمثله في حركة:
(فنبذوه وراء ظهورهم)!
وأنهم فعلوا هذه الفعلة الفاضحة , ابتغاء ثمن قليل:
(واشتروا به ثمنا قليلا).
هو عرض من أعراض هذه الأرض , ومصلحة شخصية للأحبار أو قومية لليهود ! وكله ثمن قليل , ولو كان ملك الأرض كلها طوال الدهور ! فما أقل هذا الثمن ثمنا لعهد الله ! وما أقل هذا المتاع متاعا حين يقاس بما عند الله !
(فبئس ما يشترون)!
وقد ورد في رواية للبخاري - بإسناده - عن ابن عباس أن النبي [ ص ] سأل اليهود عن شيء , فكتموه إياه , وأخبروه بغيره , فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه , واستحمدوا بذلك إليه , وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه . وأنه في هذا نزلت آية:
(لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا , ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا , فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم). .
وفي رواية أخرى للبخاري - بإسناده - عن أبي سعيد الخدري , أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله [ ص ] كانوا إذا خرج رسول الله [ ص ] إلى الغزو وتخلفوا عنه , وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله [ ص ] فإذا قدم رسول الله [ ص ] من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا , وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا . فنزلت: ا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون