|
في ظلال القرآن
الكريم
آل عمران من الاية 188 الى الاية 190 لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذöينَ يَفْرَحُونَ بöمَا أَتَواْ وَّيُحöبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بöمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بöمَفَازَةٍ مّöنَ الْعَذَابö وَلَهُمْ عَذَابñ أَلöيمñ (188) وَلöلّهö مُلْكُ السَّمَاوَاتö وَالأَرْضö وَاللّهُ عَلَىَ كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ (189) إöنَّ فöي خَلْقö السَّمَاوَاتö وَالأَرْضö وَاخْتöلاَفö اللَّيْلö وَالنَّهَارö لآيَاتٍ لّöأُوْلöي الألْبَابö (190)
أن يحمدوا بما لم يفعلوا . . .). ومسألة نزول آية بعينها في مسألة بعينها ليست قطعية في هذا . فكثيرا ما يكون الذي وقع هو الاستشهاد بالآية على حادثة بعينها . فيروى أنها نزلت فيها . أو تكون الآية منطبقة على الحادثة فيقال كذلك:إنها نزلت فيها . . ومن ثم لا نجزم في الروايتين بقول . فأما إذا كانت الأولى , فهناك مناسبة في السياق عن أهل الكتاب , وكتمانهم لما ائتمنهم الله عليه من الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه . ثم هم يكتمونه . ويقولون غير الحق ويمضون في الكذب والخداع , حتى ليطلبوا أن يحمدوا على بيانهم الكاذب وردهم المفتري ! وأما إذا كانت الثانية , ففي سياق السورة حديث عن المنافقين يصلح أن تلحق به هذه الآية . وهي تصور نموذجا من الناس يوجد على عهد الرسول [ ص ] ويوجد في كل جماعة . نموذج الرجال الذين يعجزون عن احتمال تبعة الرأي , وتكاليف العقيدة , فيقعدون متخلفين عن الكفاح . فإن غلب المكافحون وهزموا رفعوا هم رؤوسهم وشمخوا بأنوفهم , ونسبوا إلى أنفسهم التعقل والحصافة والأناة . . أما إذا انتصر المكافحون وغنموا , فإن أصحابنا هؤلاء يتظاهرون بأنهم كانوا من مؤيدي خطتهم ; وينتحلون لأنفسهم يدا في النصر , ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ! إنه نموذج من نماذج البشرية يقتات الجبن والادعاء . نموذج يرسمه التعبير القرآني في لمسة أو لمستين . فإذا ملامحه واضحة للعيان , وسماته خالدة في الزمان . . وتلك طريقة القرآن . هؤلاء الناس يؤكد الله للرسول [ ص ] أنهم لا نجاة لهم من العذاب . وإن الذي ينتظرهم عذاب أليم لا مفر لهم منه و لا معين: (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم). والذي يتوعدهم به هو الله . مالك السماوات والأرض . القادر على كل شيء . فأين المفازة إذن ? وكيف النجاة ? (ولله ملك السماوات والأرض , والله على كل شيء قدير). . الوحدة السابعة:190 - 200 الموضوع:من صفات أولي الألباب وطبيعة طريق الحق مقدمة الوحدة - الكون كتاب مفتوح هذا هو الدرس الأخير في السورة التي ضمت ذلك الحشد الضخم الذي استعرضناه:من مقومات التصور الإسلامي . وتقرير هذه المقومات وتجليتها من الغبش واللبس في الجدل مع أهل الكتاب , ثم في الجدل مع المنافقين والمشركين . وبيان طبيعة يلي هذه الحقيقة في سياق الدرس استجابة الله (لأولي الألباب)وقد توجهوا إليه سبحانه بدعاء خاشع منيب ; وهم يتدبرون كتاب الكون المفتوح , ويتأملون ما ينطق به من الآيات , وما يوحي به من الغايات . . استجابته لهم استجابة توجيهية إلى العمل والجهاد والتضحية والصبر , والنهوض بتكاليف هذا الإيمان , الذي ثابوا به من جولتهم الخاشعة في كتاب الكون المفتوح . . مع التهوين من شأن الذين كفروا وما قد يستمتعون به من أعراض هذه الحياة . وإبراز القيم الباقية في الجزاء الأخروي , التي ينبغي أن يحفل بها المؤمنون الأبرار . وعطفا على الحديث الطويل في السورة عن أهل الكتاب ومواقفهم من المؤمنين , يرد هنا في هذا القطاع الأخير ذكر الفريق المؤمن , وجزاؤه المناسب , ويبرز من صفاتهم صفة الخشوع , التي تتناسق مع مشهد أولي الألباب أمام كتاب الكون المفتوح , ودعائهم الخاشع المنيب . وصفة الحياء من الله أن يشتروا بآياته ثمنا قليلا , كأولئك الذين كفروا من أهل الكتاب , وتقدم وصفهم في السورة . ثم تجيء الآية الخاتمة تلخص التوجيهات الإلهية للجماعة المسلمة , وتمثل خصائصها المطلوبة , وتكاليفها المحددة , والتي بها يكون الفلاح: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا , وصابروا , ورابطوا , واتقوا الله , لعلكم تفلحون). . وهو ختام يناسب محور السورة الأصيل , وموضوعاتها الرئيسية , ويتسق معها كل الاتساق . الدرس الأول:190 - 198 توجيه القلوب إلى تصفح كتاب الكون (إن في خلق السماوات والأرض , واختلاف الليل والنهار , لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم , ويتفكرون في خلق السماوات والأرض:ربنا ما خلقت هذا باطلا . سبحانك ! فقنا عذاب النار . ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته , وما للظالمين من أنصار . ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان:أن آمنوا بربكم . فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا , وكفر عنا سيئاتنا , وتوفنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك , ولا تخزنا يوم القيامة , إنك لا تخلف الميعاد . . .). . ما الآيات التي في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ? ما الآيات التي تتراءى لأولي الألباب عندما يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار , وهم يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ? وما علاقة التفكر في هذه الآيات بذكرهم الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ? وكيف ينتهون من التفكر فيها إلى هذا الدعاء الخاشع الواجف: (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ! فقنا عذاب النار). . إلى نهاية ذلك الدعاء ? إن التعبير يرسم هنا صورة حية من الاستقبال السليم للمؤثرات الكونية في الإدراك السليم . وصورة حية من الاستجابة السليمة لهذه المؤثرات المعروضة للأنظار والأفكار في صميم الكون , بالليل والنهار . والقرآن يوجه القلوب والأنظار توجيها مكررا مؤكدا إلى هذا الكتاب المفتوح ; الذي لا تفتأ صفحاته تقلب , فتتبدى في كل صفحة آية موحية , تستجيش في الفطرة السليمة إحساسا بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب , وفي "تصميم" هذا البناء , ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق , ومودعه هذا الحق , مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان !!! وأولو الألباب . . أولو الإدراك الصحيح . . يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية ; ولا يقيمون الحواجز , ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات . ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قياما وقعودا وعلى جنوبهم , فتتفتح بصائرهم , وتشف مداركهم , وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله السابق - التالي
|