الطويل , الخاشع الواجف الراجف المنيب , ذي النغم العذب , والإيقاع المنساب , والحرارة البادية في المقاطع والأنغام ! ولا بد من وقفة أمام الرجفة الأولى وهم يتجهون إلى ربهم ليقيهم عذاب النار . . لا بد من وقفة أمام قولهم:
(ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته). . (وما للظالمين من أنصار). .
إنها تشي بأن خوفهم من النار , إنما هو خوف - قبل كل شيء - من الخزي الذي يصيب أهل النار . وهذه الرجفة التي تصيبهم هي أولا رجفة الحياء من الخزي الذي ينال أهل النار . فهي ارتجافة باعثها الأكبر الحياء من الله , فهم أشد حساسية به من لذع النار ! كما أنها تشي بشعور القوي بأنه لا ناصر من الله , وأن الظالمين ما لهم من أنصار . .
ثم نمضي مع الدعاء الخاشع الطويل:
(ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان:أن آمنوا بربكم . فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا , وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار). .
فهي قلوب مفتوحة ; ما إن تتلقى حتى تستجيب . وحتى تستيقظ فيها الحساسية الشديدة , فتبحث أول ما تبحث عن تقصيرها وذنوبها ومعصيتها , فتتجه إلى ربها تطلب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات , والوفاة مع الأبرار .
ويتسق ظل هذه الفقرة في الدعاء مع ظلال السورة كلها , في الاتجاه إلى الاستغفار والتطهر من الذنب والمعصية , في المعركة الشاملة مع شهوات النفس ومع الذنب والخطيئة . المعركة التي يتوقف على الانتصار فيها ابتداء كل انتصار في معارك الميدان , مع أعداء الله وأعداء الإيمان . . والسورة كلها وحدة متكاملة متناسقة الإيقاعات والظلال .
وختام هذا الدعاء . توجه ورجاء . واعتماد واستمداد من الثقة بوفاء الله بالميعاد:
(ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك , ولا تخزنا يوم القيامة , إنك لا تخلف الميعاد). .
فهو استنجاز لوعد الله , الذي بلغته الرسل , وثقة بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد , ورجاء في الإعفاء من الخزي يوم القيامة , يتصل بالرجفة الأولى في هذا الدعاء , ويدل على شدة الخوف من هذا الخزي , وشدة تذكره واستحضاره في مطلع الدعاء وفي ختامه . مما يشي بحساسية هذه القلوب ورقتها وشفافيتها وتقواها وحيائها من الله .
والدعاء في مجموعة يمثل الاستجابة الصادقة العميقة , لإيحاء هذا الكون وإيقاع الحق الكامن فيه , في القلوب السليمة المفتوحة . .
ولا بد من وقفة أخرى أمام هذا الدعاء , من جانب الجمال الفني والتناسق في الأداء . .
إن كل سورة من سور القرآن تغلب فيها قافية معينة لآياتها - والقوافي في القرآن غيرها في الشعر , فيه ليست حرفا متحدا , ولكنها إيقاع متشابه - مثل:"بصير . حكيم . مبين . مريب" . . "الألباب , الأبصار , النار . قرار" . . "خفيا . شقيا . شرقيا . شيئا . " . . . إلخ .
وتغلب القافية الأولى في مواضع التقرير . والثانية في مواضع الدعاء . والثالثة في مواضع الحكاية .
وسورة آل عمران تغلب فيها القافية الأولى . ولم تبعد عنها إلا في موضعين:أولهما في أوائل السورة وفيه