ومن هذا الإعلان التمهيدي ينتقل السياق مباشرة إلى آل عمران ومولد مريم:
(إذ قالت امرأة عمران:رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم . فلما وضعتها قالت:رب:إني وضعتها أنثى - والله أعلم بما وضعت - وليس الذكر كالأنثى , وإني سميتها مريم ; وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم . فتقبلها ربها بقبول حسن , وأنبتها نباتا حسنا , وكفلها زكريا . كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا . قال:يا مريم أنى لك هذا ? قالت:هو من عند الله , إن الله يرزق من يشاء بغير حساب). .
وقصة النذر تكشف لنا عن قلب "امرأة عمران" - أم مريم - وما يعمره من إيمان , ومن توجه إلى ربها بأعز ما تملك . وهو الجنين الذي تحمله في بطنها . خالصا لربها , محررا من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله سبحانه . والتعبير عن الخلوص المطلق بأنه تحرر تعبير موح . فما يتحرر حقا إلا من يخلص لله كله , ويفر إلى الله بجملته وينجو من العبودية لكل أحد ولك شيء ولكل قيمة , فلا تكون عبوديته إلا لله وحده . . فهذا هو التحرر إذن . . وما عداه عبودية وإن تراءت في صورة الحرية !
ومن هنا يبدو التوحيد هو الصورة المثلى للتحرر . فما يتحرر إنسان وهو يدين لأحد غير الله بشيء ما في ذات نفسه , أو في مجريات حياته , أو في الأوضاع والقيم والقوانين والشرائع التي تصرف هذه الحياة . . لا تحرر وفي قلب الإنسان تعلق أو تطلع أو عبودية لغير الله . وفي حياته شريعة أو قيم أو موازين مستمدة من غير الله . وحين جاء الإسلام بالتوحيد جاء بالصورة الوحيدة للتحرر في عالم الإنسان . .
وهذا الدعاء الخاشع من امرأة عمران , بأن يتقبل ربها منها نذرها - وهو فلذة كبدها - ينم عن ذلك الإسلام الخالص لله , والتوجه إليه كلية , والتحرر من كل قيد , والتجرد إلا من ابتغاء قبوله ورضاه:
(رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني . إنك أنت السميع العليم). .
ولكنها وضعتها أنثى ; ولم تضعها ذكرا !
(فلما وضعتها قالت:رب إني وضعتها أنثى - والله أعلم بما وضعت - وليس الذكر كالأنثى . وإني سميتها مريم . وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم). .
لقد كانت تنتظر ولدا ذكرا ; فالنذر للمعابد لم يكن معروفا إلا للصبيان , ليخدموا الهيكل , وينقطعوا للعبادة والتبتل . ولكن ها هي ذي تجدها أنثى . فتتوجه إلى ربها في نغمة أسيفة:
(رب . إني وضعتها أنثى). .
(والله أعلم بما وضعت). .
ولكنها هي تتجه إلى ربها بما وجدت , وكأنها تعتذر إن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة .
(وليس الذكر كالأنثى). .
ولا تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال: (وإني سميتها مريم). .
وهذا الحديث على هذا النحو فيه شكل المناجاة القريبة . مناجاة من يشعر أنه منفرد بربه . يحدثه بما في نفسه , وبما بين يديه , ويقدم له ما يملك تقديما مباشرا لطيفا . وهي الحال التي يكون فيها هؤلاء العباد المختارون مع ربهم . حال الود والقرب والمباشرة , والمناجاة البسيطة العبارة , التي لا تكلف فيها ولا تعقيد . مناجاة من