يحس أنه يحدث قريبا ودودا سميعا مجيبا . (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم). .
وهي الكلمة الأخيرة حيث تودع الأم هديتها بين يدي ربها , وتدعها لحمايته ورعايته , وتعيذها به هي وذريتها من الشيطان الرجيم . .
وهذه كذلك كلمة القلب الخالص , ورغبة القلب الخالص . فما تود لوليدتها أمرا خيرا من أن تكون في حياطة الله من الشيطان الرجيم !
(فتقبلها ربها بقبول حسن , وأنبتها نباتا حسنا). .
جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم , وهذا التجرد الكامل في النذر . . وإعدادا لها أن تستقبل نفخة الروح , وكلمة الله , وأن تلد عيسى - عليه السلام - على غير مثال من ولادة البشر .
(وكفلها زكريا). .
أي جعل كفالتها له , وجعله أمينا عليها . . وكان زكريا رئيس الهيكل اليهودي . من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل .
ونشأت مباركة مجدودة . يهيىء لها الله من رزقه فيضا من فيوضاته:
(كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا . قال:يا مريم أنى لك هذا ? قالت:هو من عند الله . إن الله يرزق من يشاء بغير حساب). .
ولا نخوض نحن في صفة هذا الرزق كما خاضت الروايات الكثيرة . فيكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل ما يسمى رزقا . حتى ليعجب كافلها - وهو نبي - من فيض الرزق . فيسألها:كيف ومن أين هذا كله ? فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله , وتفويض الأمر إليه كله:
و من عند الله . إن الله يرزق من يشاء بغير حساب . .
وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه , واحتفاظه بالسر الذي بينه وبينه . والتواضع في الحديث عن هذا السر , لا التنفج به والمباهاة ! كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا . هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى . .
الدرس الثاني:38 - 41 قصة تبشير زكريا بيحيى
عندئذ تحركت في نفس زكريا , الشيخ الذي لم يوهب ذرية , تحركت تلك الرغبة الفطرية القوية في النفس البشرية . الرغبة في الذرية . في الامتداد . في الخلف . . الرغبة التي لا تموت في نفوس العباد الزهاد , الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل . إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها , لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها:
(هنالك دعا زكريا ربه . قال:رب هب لي من لدنك ذرية طيبة . إنك سميع الدعاء . . فنادته الملائكة - وهو قائم يصلي في المحراب - أن الله يبشرك بيحيى , مصدقا بكلمة من الله , وسيدا وحصورا , ونبيا من الصالحين . . قال:رب أنى يكون لي غلام , وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر . قال:كذلك الله يفعل ما يشاء . قال:رب اجعل لي آية . قال:آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ; واذكر ربك كثيرا , وسبح بالعشي والإبكار). .