وكذلك . . نجدنا أمام حادث غير عادي . يحمل مظهرا من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية , وعدم تقيدها بالمألوف للبشر , الذي يحسبه البشر قانونا لا سبيل إلى إخلافه ; ومن ثم يشكون في كل حادث لا يجيء في حدود هذا القانون ! فإذا لم يستطيعوا تكذيبه , لأنه واقع , صاغوا حوله الخرافات والأساطير ! فها هو ذا "زكريا" الشيخ الكبير وزوجه العاقر التي لم تلد في صباها . . ها هو ذا تجيش في قلبه الرغبة الفطرية العميقة في الخلف - وهو يرى بين يديه مريم البنية الصالحة المرزوقة - فيتوجه إلى ربه يناجيه , ويطلب منه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة:
(هنالك دعا زكريا ربه . قال:رب هب لي من لدنك ذرية طيبة . إنك سميع الدعاء). .
فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب ?
كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن , ولا تتقيد بمألوف الناس ; لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد:
(فنادته الملائكة - وهو قائم يصلي في المحراب - أن الله يبشرك بيحيى , مصدقا بكلمة من الله . وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين). .
لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر , الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء ; ويملك الإجابة حين يشاء . وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر , اسمه معروف قبل مولده ; "يحيى " ; وصفته معروفة كذلك:سيدا كريما , وحصورا يحصر نفسه عن الشهوات , ويملك زمام نزعاته من الانفلات . ومؤمنا مصدقا بكلمة تأتيه من الله . ونبيا صالحا في موكب الصالحين .
لقد استجيبت الدعوة , ولم يحل دونها مألوف البشر الذي يحسبونه قانونا . ثم يحسبون أن مشيئة الله - سبحانه - مقيدة بهذا القانون ! وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانونا لا يخرج عن أن يكون أمرا نسبيا - لا مطلقا ولا نهائيا - فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة , وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه , أن يصل إلى قانون نهائي ولا أن يدرك حقيقة مطلقة . . فما أجدر الإنسان أن يتأدب في جناب الله . وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله , فلا يخبط في التيه بلا دليل , وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل , وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطارا من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل !
ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا نفسه - وهل زكريا إلا إنسان على كل حال - واشتاق أن يعرف من ربه كيف تقع هذه الخارقة بالقياس إلى مألوف البشر ?
(قال:رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ?). .
وجاءه الجواب . . جاءه في بساطة ويسر . يرد الأمر إلى نصابه . ويرده إلى حقيقته التي لا عسر في فهمها , ولا غرابة في كونها:
(قال:كذلك الله يفعل ما يشاء). .
كذلك ! فالأمر مألوف مكرور معاد حين يرد إلى مشيئة الله وفعله الذي يتم دائما على هذا النحو ; ولكن الناس لا يتفكرون في الطريقة , ولا يتدبرون الصنعة , ولا يستحضرون الحقيقة !