كذلك . بهذا اليسر . وبهذه الطلاقة . يفعل الله ما يشاء . . فماذا في أن يهب لزكريا غلاما وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر ? إنما هذه مألوفات البشر التي يقررون قواعدهم عليها , ويتخذون منها قانونا ! فأما بالقياس إلى الله , فلا مألوف ولا غريب . . كل شيء مرده إلى توجه المشيئة , والمشيئة مطلقة من كل القيود !
ولكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى , ولدهشة المفاجأة في نفسه , راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها:
(قال:رب اجعل لي آية . . .). .
هنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي ; فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه . . إن آيته أن يحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو اتجه إلى الناس ; وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده يذكره ويسبحه:
(قال:آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا . واذكر ربك كثيرا . وسبح بالعشي والإبكار). .
ويسكت السياق هنا . ونعرف أن هذا قد كان فعلا . فإذا زكريا يجد في ذات نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره . . لسانه هذا هو لسانه . . ولكنه يحتبس عن كلام الناس وينطلق لمناجاة ربه . . أي قانون يحكم هذه الظاهرة ? إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية . . فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة . . كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر !!!
الدرس الثالث:42 - 44 كلام الملائكة مريم والدلالة على الوحي
وكأنما كانت هذه الخارقة تمهيدا - في السياق - لحادث عيسى الذي انبثقت منه كل الأساطير والشبهات . . وإن هو إلا حلقة من سلسلة في ظواهر المشيئة الطليقة . . فهنا يبدأ في قصة المسيح عليه السلام . وإعداد مريم لتلقي النفخة العلوية بالطهارة والقنوت والعبادة . .
(وإذ قالت الملائكة:يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين . يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين). .
وأي اصطفاء ?! وهو يختارها لتلقي النفخة المباشرة , كما تلقاها أول هذه الخليقة:"آدم" ? وعرض هذه الخارقة على البشرية من خلالها وعن طريقها ? إنه الاصطفاء للأمر المفرد في تاريخ البشرية . . وهو بلا جدال أمر عظيم . .
ولكنها - حتى ذلك الحين - لم تكن تعلم ذلك الأمر العظيم !
والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى . وذلك لما لابس مولد عيسى - عليه السلام - من شبهات لم يتورع اليهود أن يلصقوها بمريم الطاهرة , معتمدين على أن هذا المولد لا مثال له في عالم الناس فيزعموا أن وراءه سرا لا يشرف . . قبحهم الله !!
وهنا تظهر عظمة هذا الدين ; ويتبين مصدره عن يقين . فها هو ذا محمد [ ص ] رسول الإسلام الذي يلقى من أهل الكتاب - ومنهم النصارى - ما يلقى من التكذيب والعنت والجدل والشبهات . . ها هو ذا يحدث عن ربه بحقيقة مريم العظيمة وتفضيلها على "نساء العالمين" بهذا الإطلاق الذي يرفعها إلى أعلى الآفاق . وهو في معرض مناظرة مع القوم الذين يعتزون بمريم , ويتخذون من تعظيمها مبررا لعدم إيمانهم بمحمد وبالدين الجديد !
أي صدق ? وآية عظمة ? وأية دلالة على مصدر هذا الدين , وصدق صاحبه الأمين !