لقد تأهلت مريم - إذن - بالتطهر والقنوت والعبادة لتلقي هذا الفضل , واستقبال هذا الحدث , وها هي ذي تتلقى - لأول مرة - التبليغ عن طريق الملائكة بالأمر الخطير:
(إذ قالت الملائكة:يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم . وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين . ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين). .
إنها بشارة كاملة وإفصاح عن الأمر كله . بشارة بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم . . فالمسيح بدل من الكلمة في العبارة . وهو الكلمة في الحقيقة . فماذا وراء هذا التعبير ?
إن هذه وأمثالها , من أمور الغيب التي لا مجال لمعرفة كنهها على وجه التحديد . . ربما كانت من الذي عناه الله بقوله: (أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . . .)إلخ .
ولكن الأمر أيسر من هذا إذا أردنا أن نفهم طبيعة هذه الحقيقة الفهم الذي يصل القلب بالله , وصنعته وقدرته , ومشيئته الطليقة:
لقد شاء الله أن يبدأ الحياة البشرية بخلق آدم من تراب - وسواء كان قد جبله مباشرة من التراب أو جبل السلالة الأولى التي انتهت إليه من تراب , فإن هذا لا يقدم ولا يؤخر في طبيعة السر الذي لا يعلمه إلا الله . سر الحياة التي لابست أول مخلوق حي , أو لابست آدم إن كان خلقه مباشرة من التراب الميت ! وهذه كتلك في صنع الله . وليست واحدة منهما بأولى من الأخرى في الوجود والكينونة . . . .
من أين جاءت هذه الحياة ? وكيف جاءت ? إنها قطعا شيء آخر غير التراب وغير سائر المواد الميتة في هذه الأرض . . شيء زائد . وشيء مغاير . وشيء ينشىء آثارا وظواهر لا توجد أبدا في التراب ولا في مادة ميتة على الإطلاق . .
هذا السر من أين جاء ? إنه لا يكفي أننا لا نعلم لكي ننكر أو نهذر ! كما يفعل الماديون في لجاجة صغيرة لا يحترمها عاقل فضلا عن عالم !
نحن لا نعلم . وقد ذهبت سدى جميع المحاولات التي بذلناها - نحن البشر - بوسائلنا المادية لمعرفة مصدرها . أو لإنشائها بأيدينا من الموات !
نحن لا نعلم . . ولكن الله الذي وهب الحياة يعلم . . وهو يقول لنا:إنها نفخة من روحه . وإن الأمر قد تم بكلمة منه . (كن . فيكون). .
ما هي هذه النفخة ? وكيف تنفخ في الموات فينشأ فيه هذا السر اللطيف الخافي على الأفهام ?
ما هي ? وكيف ? هذا هو الذي لم يخلق العقل البشري لإدراكه , لأنه ليس من شأنه . إنه لم يوهب القدرة على إدراكه . إن معرفة ماهية الحياة وطريق النفخة لا يجديه شيئا في وظيفته التي خلقه الله لها - وظيفة الخلافة في الأرض - إنه لن يخلق حياة من موات . . فما قيمة أن يعرف طبيعة الحياة , وماهية النفخة من روح الله , وكيفية اتصالها بآدم أو بأول سلم الحياة الذي سارت فيه السلالة الحية ?
والله - سبحانه - يقول:إن النفخة من روحه في آدم هي التي جعلت له هذا الامتياز والكرامة - حتى على
الملائكة - فلا بد إذن أن تكون شيئا آخر غير مجرد الحياة الموهوبة للدود والميكروب ! وهذا ما يقودنا إلى اعتبار الإنسان جنسا نشأ نشأة ذاتية , وأن له اعتبارا خاصا في نظام الكون , ليس لسائر الأحياء ! وعلى أية حال فهذا ليس موضوعنا هنا , إنما هي لمحة في سياق العرض للتحرز من شبهة قد تقوم في نفس القارىء لما عرضناه جدلا حول نشأة الإنسان !
المهم هنا أن الله يخبرنا عن نشأة سر الحياة ; وإن لم ندرك طبيعة هذا السر وكيفية نفخه في الموات . .
وقد شاء الله - بعد نشأة آدم نشأة ذاتية مباشرة - أن يجعل لإعادة النشأة الإنسانية طريقا معينا . طريق التقاء ذكر وأنثى . واجتماع بويضة وخلية تذكير . فيتم الإخصاب , ويتم الإنسال . والبويضة حية غير ميتة والخلية حية كذلك متحركة .
ومضى مألوف الناس على هذه القاعدة . . حتى شاء الله أن يخرق هذه القاعدة المختارة في فرد من بني الإنسان . فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى . وإن لم تكن مثلها تماما . أنثى فقط . تتلقى النفخة التي تنشىء الحياة ابتداء . فتنشأ فيها الحياة !
أهذه النفخة هي الكلمة ? آلكلمة هي توجه الإرادة ? آلكلمة:(كن)التي قد تكون حقيقة وقد تكون كناية عن توجه الإرادة ? والكلمة هي عيسى , أو هي التي منها كينونته ?
كل هذه بحوث لا طائل وراءها إلا الشبهات . . وخلاصتها هي تلك:أن الله شاء أن ينشىء حياة على غير مثال . فأنشأها وفق إرادته الطليقة التي تنشىء الحياة بنفخة من روح الله . ندرك آثارها , ونجهل ماهيتها . ويجب أن نجهلها . لأنها لا تزيد مقدرتنا على الاضطلاع بوظيفة الخلافة في الأرض , ما دام إنشاء الحياة ليس داخلا في تكليف الاستخلاف !
والأمر هكذا سهل الإدراك . ووقوعه لا يثير الشبهات !
وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم . . فتضمنت البشارة نوعه , وتضمنت اسمه ونسبه . وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه . . ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه: (وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين). . كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده (ويكلم الناس في المهد). . ولمحة من مستقبله:(وكهلا). . وسمته والموكب الذي ينتسب إليه: (ومن الصالحين). .
فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بمألوف البشر في الحياة , فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة . واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان:
(قالت:رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ?). .
وجاءها الجواب , يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها البشر لطول الفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة لعلمهم القليل , ومألوفهم المحدود:
(قال:كذلك الله يخلق ما يشاء . إذا قضى أمرا فإنما يقول له:كن فيكون). .
وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب , وتزول الحيرة , ويطمئن القلب ; ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب:كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب !!
وهكذا كان القرآن ينشىء التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا اليسر الفطري القريب . وهكذا كان يجلو الشبهات التي تعقدها الفلسفات المعقدة , ويقر الأمر في القلوب وفي العقول سواء . .