نزل هذا القرآن - عليك - كما أنه أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى من قبل . وإذن فلا اختلاط ولا امتزاج بين الألوهية والعبودية . إنما هناك إله واحد ينزل الكتب على المختارين من عباده . وهناك عبيد يتلقون . وهم عبيد لله ولو كانوا أنبياء مرسلين . وهي تقرر وحدة الدين ووحدة الحق الذي تتضمنه الكتب المنزلة من عند الله . فهذا الكتاب نزله - عليك -(بالحق). . (مصدقا لما بين يديه). . من التوراة والإنجيل . . وكلها تستهدف غاية واحدة: (هدى للناس). . وهذا الكتاب الجديد "فرقان" بين الحق الذي تضمنته الكتب المنزلة , والانحرافات والشبهات التي لحقت بها بفعل الأهواء والتيارات الفكرية والسياسية [ التي رأينا نموذجا منها فيما نقلناه عن الكاتب المسيحي سيرت . و . آرنولد في كتاب "الدعوة إلى الإسلام" ] .
وهي تقرر - ضمنا - أنه لا وجه لتكذيب أهل الكتاب للرسالة الجديدة . فهي سائرة على نمط الرسالات قبلها . وكتابها نزل بالحق كالكتب المنزلة . ونزل على رسول من البشر كما نزلت الكتب على رسل من البشر . وهو مصدق لما بين يديه من كتب الله , يضم جناحيه على "الحق" الذي تضم جوانحها عليه . وقد نزله من يملك تنزيل الكتب . . فهو منزل من الجهة التي لها "الحق" في وضع منهاج الحياة للبشر , وبناء تصوراتهم الاعتقادية , وشرائعهم وأخلاقهم وآدابهم في الكتاب الذي ينزله على رسوله .
ثم تتضمن الآية في شطرها الثاني التهديد الرعيب للذين كفروا بآيات الله , وتلوح لهم بعزة الله وقوته وشدة عذابه وانتقامه . . والذين كفروا بآيات الله هم الذين كذبوا بهذا الدين الواحد بإطلاقه . . وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن كتاب الله الصحيح المنزل إليهم من قبل , فقادهم هذا الانحراف إلى التكذيب بالكتاب الجديد - وهو فرقان واضح مبين - هم أول المعنيين هنا بصفة الكفر , وهم أول من يتوجه إليهم التهديد الرعيب بعذاب الله الشديد وانتقامه الأكيد . .
وفي صدد التهديد بالعذاب والانتقام يؤكد لهم علم الله الذي لا يند عنه شيء , فلا خفاء عليه ولا إفلات منه:
(إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء). .
وتوكيد العلم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء , وإثبات هذه الصفة لله - سبحانه - في هذا المقام . . هذا التوكيد يتفق أولا مع وحدانية الألوهية والقوامة التي افتتح بها السياق . كما يتفق مع التهديد الرعيب في الآية السابقة . . فلن يفلت "شيء " من علم الله (في الأرض ولا في السماء)بهذا الشمول والإطلاق . ولن يمكن إذن ستر النوايا عليه , ولا إخفاء الكيد عنه . ولن يمكن كذلك التفلت من الجزاء الدقيق , ولا التهرب من العلم اللطيف العميق .
وفي ظلال العلم اللطيف الشامل الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يلمس المشاعر الإنسانية لمسة رفيقة عميقة , تتعلق بالنشأة الإنسانية . النشأة المجهولة في ظلام الغيب وظلام الأرحام , حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك:
(هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء . لا إله إلا هو العزيز الحكيم). . . .
هكذا(يصوركم). . يمنحكم الصورة التي يشاء ; ويمنحكم الخصائص المميزة لهذه الصورة . وهو وحده