إلى من يليهم , ويقومون بعده عليها . . (قال الحواريون:نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون).
فذكروا الإسلام بمعناه الذي هو حقيقة الدين , وأشهدوا عيسى - عليه السلام - على إسلامهم هذا وانتدابهم لنصرة الله . . أي نصرة رسوله ودينه ومنهجه في الحياة .
ثم اتجهوا إلى ربهم يتصلون مباشرة به في هذا الأمر الذي يقومون عليه:
(ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول , فاكتبنا مع الشاهدين).
وفي هذا التوجه لعقد البيعة مع الله مباشرة لفتة ذات قيمة . . إن عهد المؤمن هو ابتداء مع ربه , ومتى قام الرسول بإبلاغه فقد انتهت مهمة الرسول من ناحية الاعتقاد ; وانعقدت البيعة مع الله , فهي باقية في عنق المؤمن بعد الرسول . . وفيه كذلك تعهد لله باتباع الرسول . فليس الأمر مجرد عقيدة في الضمير ; ولكنة اتباع لمنهج , والاقتداء فيه بالرسول . وهو المعنى الذي يركز عليه سياق هذه السورة - كما رأينا - ويكرره بشتى الأساليب .
ثم عبارة أخرى تلفت النظر في قول الحواريين: (فاكتبنا مع الشاهدين). .
فأي شهادة وأي شاهدين ?
إن المسلم المؤمن بدين الله مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين . شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء ; وتؤيد الخير الذي يحمله هذا الدين للبشر . . وهو لا يؤدي هذه الشهادة حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين . صورة يراها الناس فيرون فيها مثلا رفيعا , يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود , وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من أنظمة وأوضاع وتشكيلات .
وهو لا يؤدي هذه الشهادة كذلك حتى يجعل من هذا الدين قاعدة حياته , ونظام مجتمعه , وشريعة نفسه وقومه . فيقوم مجتمع من حوله , تدبر أموره وفق هذا المنهج الإلهي القويم . . وجهاده لقيام هذا المجتمع , وتحقيق هذا المنهج ; وإيثاره الموت في سبيله على الحياة في ظل مجتمع آخر لا يحقق منهج الله في حياة الجماعة البشرية . . هو شهادته بأن هذا الدين خير من الحياة ذاتها وهي أعز ما يحرص عليه الأحياء ! ومن ثم يدعى(شهيدا). .
فهؤلاء الحواريون يدعون الله أن يكتبهم مع الشاهدين لدينه . . أي أن يوفقهم ويعينهم في أن يجعلوا من أنفسهم صورة حية لهذا الدين ; وأن يبعثهم للجهاد في سبيل تحقيق منهجه في الحياة , وإقامة مجتمع يتمثل فيه هذا المنهج . ولو أدوا ثمن ذلك حياتهم ليكونوا من(الشهداء)على حق هذا الدين .
وهو دعاء جدير بأن يتأمله كل من يدعي لنفسه الإسلام . . فهذا هو الإسلام , كما فهمه الحواريون . وكما هو في ضمير المسلمين الحقيقيين ! ومن لم يؤد هذه الشهادة لدينه فكتمها فهو آثم قلبه . فأما إذا ادعى الإسلام ثم سار في نفسه غير سيرة الإسلام ; أو حاولها في نفسه , ولكنه لم يؤدها في المجال العام , ولم يجاهد لإقامة منهج الله في الحياة إيثارا للعافية , وإيثارا لحياته على حياة الدين , فقد قصر في شهادته أو أدى شهادة ضد هذا الدين . شهادة تصد الآخرين عنه . وهم يرون أهله يشهدون عليه لا له ! وويل لمن يصد الناس عن دين الله