عن طريق ادعائه أنه مؤمن بهذا الدين , وما هو من المؤمنين ! الدرس السادس:54 - 57 الله ينجي عيسى من مكر أعدائه
ويمضي السياق إلى خاتمة القصة بين عيسى - عليه السلام - وبني إسرائيل:
(ومكروا ومكر الله , والله خير الماكرين . إذ قال الله:يا عيسى إني متوفيك , ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا , وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ; ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون , فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة , وما لهم من ناصرين . وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم , والله لا يحب الظالمين). .
والمكر الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم - عيسى عليه السلام - مكر طويل عريض . فقد قذفوه عليه السلام وقذفوا الطاهرة أمه مع يوسف النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كما تذكر الأناجيل . . وقد اتهموه بالكذب والشعوذة ; ووشوا به إلى الحاكم الروماني "بيلاطس" وادعوا أنه "مهيج" يدعو الجماهير للانتقاض على الحكومة ! وأنه مشعوذ يجدف ويفسد عقيدة الجماهير ! حتى سلم لهم بيلاطس بأن يتولوا عقابه بأيديهم , لأنه لم يجرؤ - وهو وثني - على احتمال تبعة هذا الإثم مع رجل لم يجد عليه ريبة . . وهذا قليل من كثير . .
(ومكروا ومكر الله . والله خير الماكرين). .
والمشاكلة هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير الله . . والمكر التدبير . . ليسخر من مكرهم وكيدهم إذا كان الذي يواجهه هو تدبير الله . فأين هم من الله ? وأين مكرهم من تدبير الله ?
لقد أرادوا صلب عيسى - عليه السلام - وقتله . وأراد الله أن يتوفاه , وأن يرفعه إليه , وأن يطره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس , وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة . . وكان ما أراده الله . وأبطل الله مكر الماكرين:
(إذ قال الله:يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا , وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة).
فأما كيف كانت وفاته , وكيف كان رفعه . . فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله . ولا طائل وراء البحث فيها . لا في عقيدة ولا في شريعة . والذين يجرون وراءها , ويجعلونها مادة للجدل , ينتهي بهم الحال إلى المراء , وإلى التخليط , وإلى التعقيد . دون ما جزم بحقيقة , ودون ما راحة بال في أمر موكول إلى علم الله .
وأما أن الله جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة . . فلا يصعب القول فيه . فالذين اتبعوه هم الذين يؤمنون بدين الله الصحيح . . الإسلام . . الذي عرف حقيقته كل نبي , وجاء به كل رسول , وآمن به كل من آمن حقا بدين الله . . وهؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان الله . . كما أنهم كذلك في واقع الحياة كلما واجهوا معسكر الكفر بحقيقة الإيمان , وحقيقة الأتباع . . ودين الله واحد . وقد جاء به عيسى بن مريم كما جاء به من قبله ومن بعده كل رسول . والذين يتبعون محمدا [ ص ]