الذي يتولى التصوير , بمحض إرادته , ومطلق مشيئته: (كيف يشاء). . (لا إله إلا هو). .(العزيز). . ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير(الحكيم). . الذي يدبر الأمر بحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك . وفي هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده . فالله هو الذي صور عيسى . . (كيف يشاء). . لا أن عيسى هو الرب . أو هو الله . أو هو الابن . أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي . إلى آخر ما انتهت إليه التصوارت المنحرفة الغامضة المجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك !
بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ , الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة , ويتبعون النصوص التي تحتمل التأويل , ليصوغوا حولها الشبهات ; ويصور سمات المؤمنين حقا وإيمانهم الخالص وتسليمهم لله في كل ما يأتيهم من عنده بلا جدال:
(هو الذي أنزل عليك الكتاب . منه آيات محكمات هن أم الكتاب , وأخر متشابهات . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . وما يعلم تأويله إلا الله . والراسخون في العلم يقولون:آمنا به . كل من عند ربنا - وما يذكر إلا أولوا الألباب - ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا , وهب لنا من لدنك رحمة . إنك أنت الوهاب . ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه . إن الله لا يخلف الميعاد). .
وقد روى أن نصارى نجران قالوا للرسول [ ص ] ألست تقول عن المسيح:إنه كلمة الله وروحه ? يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيت معتقداتهم عن عيسى - عليه السلام - وأنه ليس من البشر , إنما هو روح الله - على ما يفهمون هم من هذا التعبير - بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية الله المطلقة , وتنفي عنه الشريك والولد في كل صورة من الصور . . فنزلت فيهم هذه الآية , تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة , وترك النصوص التجريدية القاطعة .
على أن نص الآية اعم من هذه المناسبة ; فهي تصور موقف الناس على اختلافهم من هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه [ ص ] متضمنا حقائق التصور الإيماني , ومنهاج الحياة الإسلامية ; ومتضمنا كذلك أمورا غيبية لا سبيل للعقل البشري أن يدركها بوسائله الخاصة , ولا مجال له لأن يدرك منها أكثر مما تعطيه النصوص بذاتها .
فأما الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة , مدركة المقاصد - وهي أصل هذا الكتاب - وأما السمعيات والغيبيات - ومنها نشأة عيسى عليه السلام ومولده - فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنها صادرة من هذا المصدر "الحق" ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها , لأنها بطبيعتها فوق وسائل الإدراك الإنساني المحدود .
وهنا يختلف الناس - حسب استقامة فطرتهم أو زيغها - في استقبال هذه الآيات وتلك . فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة , فيتركون الأصول الواضحة الدقيقة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهاج العملي للحياة , ويجرون وراء المتشابه الذي يعول في تصديقه على الإيمان بصدق مصدره , والتسليم بأنه هو الذي يعلم "الحق" كله , بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال . كما يعول فيه على استقامة الفطرة التي تدرك بالإلهام المباشر صدق هذا الكتاب كله , وأنه نزل بالحق لا يأتيه الباطل من بين