يديه ولا من خلفه . . يجرون وراء المتشابه لأنهم يجدون فيه مجالا لإيقاع الفتنة بالتأويلات المزلزلة للعقيدة , والاختلافات التي تنشأ عن بلبلة الفكر , نتيجة إقحامه فيما لا مجال للفكر في تأويله . . (وما يعلم تأويله إلا الله). . وأما الراسخون في العلم , الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري , وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة له . . أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة:
(آمنا به , كل من عند ربنا). .
يدفعهم إلى هذه الطمأنينة , أنه من عند ربهم . فهو إذن حق وصدق . وما يقرره الله صادق بذاته . وليس من وظيفة العقل البشري ولا في طوقه أن يبحث عن أسبابه وعلله , كما أنه ليس في طوقه أن يدرك ماهيته وطبيعة العلل الكامنة وراءه .
والراسخون في العلم يطمئنون ابتداء إلى صدق ما يأتيهم من عند الله . يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة . . ثم لا يجدون من عقولهم شكا فيه كذلك ; لأنهم يدركون أن من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم , وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه . .
وهذا تصوير صحيح للراسخين في العلم . . فما يتبجح وينكر إلا السطحيون الذين تخدعهم قشور العلم , فيتوهمون أنهم أدركوا كل شيء , وأن ما لم يدركوه لا وجود له ; أو يفرضون إدراكهم على الحقائق , فلا يسمحون لها بالوجود إلا على الصورة التي أدركوها . ومن ثم يقابلون كلام الله المطلق بمقررات عقلية لهم ! صاغتها عقولهم المحدودة ! أما العلماء حقا فهم أكثر تواضعا , وأقرب إلى التسليم بعجز العقل البشري عن إدراك حقائق كثيرة تكبر طاقته وترتفع عليها . كما أنهم أصدق فطرة فما تلبث فطرتهم الصادقة أن تتصل بالحق وتطمئن إليه .
(وما يذكر إلا أولوا الألباب). .
وكأنه ليس بين أولي الألباب وإدراك الحق إلا أن يتذكروا . . فإذا الحق المستقر في فطرتهم الموصولة بالله , ينبض ويبرز ويتقرر في الألباب .
عندئذ تنطلق ألسنتهم وقلوبهم في دعاء خاشع وفي ابتهال منيب:أن يثبتهم على الحق , وألا يزيغ قلوبهم بعد الهدى , وأن يسبغ عليهم رحمته وفضله . . ويتذكرون يوم الجمع الذي لا ريب فيه , والميعاد الذي لا خلف له:
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا . وهب لنا من لدنك رحمة . إنك أنت الوهاب . ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه . إن الله لا يخلف الميعاد). .
هذا هو حال الراسخين في العلم مع ربهم ; وهو الحال اللائق بالإيمان ; المنبثق من الطمأنينة لقول الله ووعده ; والثقة بكلمته وعهده ; والمعرفة برحمته وفضله ; والإشفاق مع هذا من قضائه المحكم وقدره المغيب ; والتقوى والحساسية واليقظة التي يفرضها الإيمان على قلوب أهله , فلا تغفل ولا تغتر ولا تنسى في ليل أو نهار . .
والقلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال . قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش . قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة . قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة . قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده .