روع غير المتثبتين في الصف المسلم - ومثلهم موجود دائما في كل صف - أنه لأمر ارتد أهل الكتاب , الخبيرون بالكتب والرسل والديانات:(وقالت طائفة من أهل الكتاب:آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون). . وهو كيد خبيث لئيم ! ثم يكشف عن طبيعة أهل الكتاب وأخلاقهم ونظرتهم للعهود والمواثيق - على أمانة في بعضهم لا ينكرها عليهم - فأما البعض الآخر فلا أمانة له ولا عهد ولا ذمة ; وهم يفلسفون جشعهم وخيانتهم ويدعون لها سندا من دينهم , ودينهم من هذا الخلق بريء:(ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك . ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما . ذلك بأنهم قالوا:ليس علينا في الأميين سبيل . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون). .
وفي هذا الموضع يبين طبيعة نظرة الإسلام الأخلاقية ومبعثها وارتباطها بتقوى الله:(بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين . إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا , أولئك لا خلاق لهم في الآخرة , ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة , ولا يزكيهم , ولهم عذاب أليم). .
ويمضي يعرض نموذجا آخر من التواء أهل الكتاب وكذبهم الرخيص في أمر الدين , ابتغاء مكاسب الأرض وهي كلها ثمن قليل:(وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب , لتحسبوه من الكتاب , وما هو من الكتاب . ويقولون:هو من عند الله . وما هو من عند الله . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون). .
ومن هذا الذي يلوون ألسنتهم فيه ما يدعونه من الوهية للمسيح وللروح القدس . . وينفي الله - سبحانه - أن يكون المسيح - عليه السلام - قد جاءهم بهذا في الكتاب أو أمرهم به:(ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة , ثم يقول للناس:كونوا عبادا لي من دون الله . ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون . ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا . أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون). .
وبهذه المناسبة يذكر حقيقة الصلة بين موكب الرسل المتتابعة . . وهي عهد الله عليهم أن يسلم السابق منهم للاحق وينصره:(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين:لما آتيتكم من كتاب وحكمة , ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه . قال:أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ? قالوا:أقررنا . قال:فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين). . ومن ثم يتعين على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالرسول الأخير وينصروه . ولكنهم لا يوفون بعهد الله معهم ومع رسلهم الأولين .
وفي ظل هذا العهد الساري يقرر أن الذي يبتغي دينا غير دين الله . . الإسلام . . يخرج في الحقيقة على نظام الكون كله كما إراده الله:(أفغير دين الله يبغون , وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ? وإليه يرجعون ?). . فيبدو هؤلاء الذين يخرجون عن إسلام أمرهم لله كله , والطاعة والاتباع لمنهج الله في خضوع واستسلام . . يبدو هؤلاء شذاذا خارجين على نظام الوجود الكبير !
هنا يوجه الرسول [ ص ] والمسلمين معه إلى إعلان الإيمان بدين الله الواحد , ممثلا في كل ما جاء به الرسل أجمعين . وأن الله لا يقبل من البشر جميعا إلا هذا الدين:(ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه , وهو في الآخرة من الخاسرين). .
فأما الذين لا يؤمنون بهذا الدين فلا مطمع لهم في هداية الله . ولا في النجاة من عقابه . إلا أن يتوبوا . وأما الذين يموتون وهم كفار فلن ينفعهم أن يكونوا قد بذلوا ما بذلوا , ولن ينجيهم أن يفتدوا بملء الأرض ذهبا !