قيمة الاهتمامات الرفيعة الكبيرة بعد اللهو بالاهتمامات الصغيرة الحقيرة . . ويدرك أن الله منحه بالإيمان كل هذا الزاد . . ومن ثم يشفق من العودة إلى الضلال , كما يشفق السائر في الدرب المستقيم المنير أن يعود إلى التخبط في المنعرجات المظلمة . وكما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ ! وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة . وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال ! ومن ثم يتجه المؤمنون إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع:
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا). .
وينادون رحمة الله التي أدركتهم مرة بالهدى بعد الضلال , ووهبتهم هذا العطاء الذي لا يعدله عطاء:
(وهب لنا من لدنك رحمة . إنك أنت الوهاب). .
وهم بوحي إيمانهم يعرفون أنهم لا يقدرون على شيء إلا بفضل الله ورحمته . وأنهم لا يملكون قلوبهم فهي في يد الله . . فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدهم بالعون والنجاة .
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:كان رسول الله [ ص ] كثيرا ما يدعو:" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " قلت:يا رسول الله , ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء . فقال:" ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن . إذا شاء أن يقيمه أقامه , وإن شاء أن يزيغه أزاغه " . .
ومتى استشعر القلب المؤمن وقع المشيئة على هذا النحو لم يكن أمامه إلا أن يلتصق بركن الله في حرارة . وأن يتشبث بحماه في إصرار , وأن يتجه إليه يناشده رحمته وفضله , لاستبقاء الكنز الذي وهبه , والعطاء الذي أولاه !
الدرس الثاني:10 - 13 سنة الله في أخذ الذين كفروا بذنوبهم
بعد هذا البيان يتجه إلى تقرير مصير الذين كفروا , وسنة الله التي لا تتخلف في أخذهم بذنوبهم , وإلى تهديد الذين يكفرون من أهل الكتاب , ويقفون لهذا الدين , ويلقن الرسول [ ص ] أن ينذرهم , ويذكرهم ما رأوه بأعينهم في غزوة بدر من نصر القلة المؤمنة على حشود الكافرين:
(إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا , وأولئك هم وقود النار . كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا , فأخذهم الله بذنوبهم , والله شديد العقاب . قل للذين كفروا . ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا:فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة , يرونهم مثليهم رأي العين , والله يؤيد بنصره من يشاء , إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار). .
إن هذه الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل , وتهديدهم بمصير الكفار قبلهم وبعدهم . وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك . . فهو يذكرهم فيها بمصير آل فرعون . . وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني إسرائيل . ولكن هذا لا يمنحهم حقا خاصا إذا هم ضلوا وكفروا , ولا يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا , وأن ينالوا جزاء الكافرين في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين انجاهم الله منهم !
كذلك يذكرهم مصارع قريش في بدر - وهم كفار - ليقول لهم:إن سنة الله لا تتخلف . وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش . فالعلة هي الكفر . وليس لأحد على الله دالة , ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح !