للعالمين , يجدون عنده الهدى بدين الله ملة إبراهيم . وفيه علامات بينة على أنه مقام إبراهيم . . [ ويقال:إن المقصود هو الحجر الأثري الذي كان إبراهيم - عليه السلام - يقف عليه في أثناء البناء . وكان ملصقا بالكعبة فأخره عنها الخليفة الراشد عمر - رضي الله عنه - حتى لا يشوش الذين يطوفون به على المصلين عنده . وقد أمر المسلمون أن يتخذوه مصلى بقوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى). . ] ويذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله كان آمنا . فهو مثابة الأمن لكل خائف . وليس هذا لمكان آخر في الأرض . وقد بقي هكذا مذ بناه إبراهيم وإسماعيل . وحتى في جاهلية العرب , وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم , وعن التوحيد الخالص الذي يمثله هذا الدين . . حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية , كما قال الحسن البصري وغيره:" كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة , ويدخل الحرم , فيلقاه ابن المقتول , فلا يهيجه حتى يخرج " . . وكان هذا من تكريم الله سبحانه لبيته هذا , حتى والناس من حوله في جاهلية ! وقال - سبحانه - يمتن على العرب به: (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ?)وحتى إنه من جملة تحريم الكعبة حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره , وحرمة قطع شجرها . . وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن ابن عباس رضي الله عنهما , قال:قال رسول الله [ ص ] يوم فتح مكة:" إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض , فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة . وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي , ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار . فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة , لا يعضد شوكه , ولا ينفر صيده , ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها , ولا يختلى خلاه . . . إلخ "
فهذا هو البيت الذي اختاره الله للمسلمين قبلة . . هو بيت الله الذي جعل له هذه الكرامة . وهو أول بيت أقيم في الأرض للعبادة . وهو بيت أبيهم إبراهيم , وفيه شواهد على بناء إبراهيم له . والإسلام هو ملة إبراهيم . فبيته هو أولى بيت بأن يتجه إليه المسلمون . وهو مثابة الأمان في الأرض . وفيه هدى للناس , بما أنه مثابة هذا الدين .
ثم يقرر أن الله فرض على الناس أن يحجوا إلى هذا البيت ما تيسر لهم ذلك . وإلا فهو الكفر الذي لا يضر الله شيئا:
(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا . ومن كفر فإن الله غني عن العالمين).
ويلفت النظر - في التعبير - هذا التعميم الشامل في فرضية الحج: (على الناس). . ففيه أولا إيحاء بأن هذا الحج مكتوب على هؤلاء اليهود الذين يجادلون في توجه المسلمين إليه في الصلاة . على حين أنهم هم أنفسهم مطالبون من الله بالحج إلى هذا البيت والتوجه إليه , بوصفه بيت أبيهم إبراهيم , وبوصفه أول بيت وضع للناس للعبادة . فهم - اليهود - المنحرفون المقصرون العاصون ! وفيه ثانيا إيحاء بأن الناس جميعا مطالبون بالإقرار بهذا الدين , وتأدية فرائضه وشعائره , والاتجاه والحج إلى بيت الله الذي يتوجه إليه المؤمنون به . . هذا وإلا فهو الكفر . مهما ادعى المدعون أنهم على دين ! والله غني عن العالمين . فما به من حاجة - سبحانه - إلى إيمانهم وحجهم . إنما هي مصلحتهم وفلاحهم بالإيمان والعبادة . .
والحج فريضة في العمر مرة , عند أول ما تتوافر الاستطاعة . من الصحة وإمكان السفر وأمن الطريق . . ووقت فرضها مختلف فيه . فالذين يعتمدون رواية أن هذه الآيات نزلت في عام الوفود - في السنة التاسعة - يرون أن الحج فرض في هذه السنة . ويستدلون على هذا بأن حجة رسول الله [ ص ] كانت