فقط بعد هذا التاريخ . . وقد قلنا عند الكلام على مسألة تحويل القبلة في الجزء الثاني من الظلال:إن حجة الرسول [ ص ] لا دليل فيها على تأخر فرضية الحج . فقد تكون لملابسات معينة . منها أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عرايا , ما يزالون يفعلون هذا بعد فتح مكة . فكره رسول الله [ ص ] أن يخالطهم , حتى نزلت سورة براءة في العام التاسع , وحرم على المشركين الطواف بالبيت . . ثم حج [ ص ] حجته في العام الذي يليه . . ومن ثم فقد تكون فرضية الحج سابقة على ذلك التاريخ , ويكون نزول هذه الآية في الفترة الأولى من الهجرة بعد غزوة أحد أو حواليها . وقد تقررت هذه الفريضة على كل حال بهذا النص القاطع , الذي يجعل لله - سبحانه - حق حج البيت على "الناس" من استطاع إليه سبيلا .
والحج مؤتمر المسلمين السنوي العام . يتلاقون فيه عند البيت الذي صدرت لهم الدعوة منه . والذي بدأت منه الملة الحنيفية على يد أبيهم إبراهيم . والذي جعله الله أول بيت في الأرض لعبادته خالصا . فهو تجمع له مغزاه , وله ذكرياته هذه , التي تطوف كلها حول المعنى الكريم , الذي يصل الناس بخالقهم العظيم . . معنى العقيدة . استجابة الروح لله الذي من نفخة روحه صار الإنسان إنسانا . وهو المعنى الذي يليق بالأناسي أن يتجمعوا عليه , وأن يتوافدوا كل عام إلى المكان المقدس الذي انبعث منه النداء للتجمع على هذا المعنى الكريم . .
الدرس الثالث التنديد بأهل الكتاب لحربهم الحق
بعد هذا البيان يلقن الرسول [ ص ] أن يتجه إلى أهل الكتاب بالتنديد والتهديد , على موقفهم من الحق الذي يعلمونه , ثم يصدون عنه , ويكفرون بآيات الله . وهم شهداء على صحتها , وهم من صدقها على يقين:
(قل:يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله , والله شهيد على ما تعملون ? قل:يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ? وما الله بغافل عما تعملون). .
وقد تكرر مثل هذا التنديد في هذه السورة , وفي سور غيرها كثيرة . وأول ما يتركه هذا التنديد من أثر هو مجابهته أهل الكتاب بحقيقة موقفهم , ووصفهم بصفتهم , التي يدارونها بمظهر الإيمان والتدين , بينما هم في حقيقتهم كفار . فهم يكفرون بآيات الله القرآنية . ومن يكفر بشيء من كتاب الله فقد كفر بالكتاب كله . ولو أنهم آمنوا بالنصيب الذي معهم لآمنوا بكل رسول جاء من عند الله بعد رسولهم . فحقيقة الدين واحدة . من عرفها عرف أن كل ما يجيء به الرسل من بعد حق , وأوجب على نفسه الإسلام لله على أيديهم . . وهي حقيقة من شأنها أن تهزهم وأن تخوفهم عاقبة ما هم فيه .
ثم إن المخدوعين من الجماعة المسلمة بكون هؤلاء الناس أهل كتاب , يسقط هذا الخداع عنهم , وهم يرون الله - سبحانه - يعلن حقيقة أهل الكتاب هؤلاء , ويدمغهم بالكفر الكامل الصريح . فلا تبقى بعد هذا ريبة لمستريب .
وهو - سبحانه - يهددهم بما يخلع القلوب:
(والله شهيد على ما تعملون). . (وما الله بغافل عما تعملون). .