كذلك يتمثل ذلك الجمال في شعور الرسل بحقيقة الله ربهم ; وفي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب تلك العصبة المختارة من عباده:
(وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا , ولنصبرن على ما آذيتمونا , وعلى الله فليتوكل المتوكلون). .
وكلها لمحات من ذلك الجمال الباهر لا يملك التعبير البشري إلا أن يشير إليها كما يشار إلى النجم البعيد , لا تبلغ الإشارة مداه , ولكنها فقط تلفت العين إلى سناه . . .
الوحدة الثانية:28 - 52 الموضوع:نعم الله بين الشكر والكفر وإبراهيم الشاكر المنيب
مقدمة الوحدة يبدأ هذا الشوط الثاني من نهاية الشوط الأول , قائما عليه , متناسقا معه , مستمدا منه .
لقد تضمن الشوط الأول رسالة الرسول [ ص ] ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم . ورسالة موسى - عليه السلام - لقومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور , ويذكرهم بأيام الله . فبين لهم وذكرهم بنعمة الله عليهم , وأعلن لهم ما تأذن الله به:لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد . . ثم عرض عليهم قصة النبوات والمكذبين . بدأها ثم توارى عن السياق ; وتابعت القصة أدوارها ومشاهدها حتى انتهت بالكافرين إلى ذلك الموقف , الذي يستمعون فيه من الشيطان عظته البليغة ! حيث لا تنفع العظات !
فالآن يعود السياق إلى المكذبين من قوم محمد [ ص ] بعد ما عرض عليهم ذلك الشريط الطويل - أولئك الذين أنعم الله عليهم - فيما أنعم - برسول يخرجهم من الظلمات إلى النور , ويدعوهم ليغفر الله لهم , فإذا هم يكفرون النعمة , ويردونها , ويستبدلون بها الكفر , يؤثرونه على الرسول وعلى دعوة الإيمان . .
ومن ثم يبدأ الشوط الثاني بالتعجيب من أمر هؤلاء الذين يبدلون نعمة الله كفرا , ويقودون قومهم إلى دار البوار , كما قاد من قبلهم أتباعهم إلى النار . في قصة الرسل والكفار .
ثم يستطرد إلى بيان نعم الله على البشر في أضخم المشاهد الكونية البارزة 0 ويقدم نموذجا لشكر النعمة:إبراهيم الخليل - بعد أن يأمر الذين آمنوا بلون من ألوان الشكر هو الصلاة والبر بعباد الله - قبل أن يأتي يوم لا تربو فيه الأموال . يوم لا بيع فيه ولا خلال .
فأما الذين كفروا فليسوا بمتروكين عن غفلة ولا إهمال , إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . . وأما وعد الله لرسله فهو واقع مهما يمكر الذين كفروا وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . .
وهكذا يتماسك الشوط الثاني مع الشوط الأول ويتناسق .
الدرس الأول:28 - 31 جريمة الذين بدلوا نعمة الله كفرا وتوجيه للمؤمنين
(ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار , جهنم يصلونها , وبئس القرار ?!)
(وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله . قل:تمتعوا فإن مصيركم إلى النار). .
ألم تر إلى هذا الحال العجيب . حال الذين وهبوا نعمة الله , ممثلة في رسول وفي دعوة إلى الإيمان , وفي قيادة إلى المغفرة , وإلى مصير في الجنة . . فإذا هم يتركون هذا كله ويأخذون بدله(كفرا)! أولئك هم السادة القادة من كبراء قومك - مثلهم مثل السادة القادة من كل قوم - وبهذا الاستبدال العجيب قادوا قومهم إلى جهنم , وأنزلوهم بها - كما شاهدنا منذ قليل في الأقوام من قبل ! - وبئس ما أحلوهم من مستقر , وبئس القرار فيها من قرار !
ألم تر إلى تصرف القوم العجيب , بعد ما رأوا ما حل بمن قبلهم - وقد عرضه القرآن عليهم عرض رؤية في مشاهد تلك القصة التي مضى بها الشوط الأول من السورة . عرضه كأنه وقع فعلا . وإنه لواقع . وما يزيد النسق القرآني على أن يعرض ما تقرر وقوعه في صورة الواقع المشهود .
لقد استبدلوا بنعمة الرسول ودعوته كفرا . وكانت دعوته إلى التوحيد , فتركوها:
(وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله). .
جعلوا لله أقرانا مماثلين يعبدونهم كعبادته , ويدينون لسلطانهم كما يدينون لسلطانه , ويعترفون لهم بما هو من خصائص ألوهيته سبحانه !
جعلوا لله هذه الأنداد ليضلوا الناس عن سبيل الله الواحد الذي لا يتعدد ولا تتفرق به السبل .
والنص يشير إلى أن كبراء القوم عمدوا عمدا إلى تضليل قومهم عن سبيل الله , باتخاذ هذه الأنداد من دون الله . فعقيدة التوحيد خطر على سلطان الطواغيت ومصالحهم في كل زمان . لا في زمن الجاهلية الأولى , ولكن في زمن كل جاهلية ينحرف الناس فيها عن التوحيد المطلق , في أية صورة من صور الانحراف , فيسلمون قيادهم إلى كبرائهم , وينزلون لهم عن حرياتهم وشخصياتهم , ويخضعون لأهوائهم ونزواتهم , ويتلقون شريعتهم من أهواء هؤلاء الكبراء لا من وحي الله . . عندئذ تصبح الدعوة إلى توحيد الله خطرا على الكبراء يتقونه بكل وسيلة . ومنها كان اتخاذ الآلهة أندادا لله في زمن الجاهلية الأولى . ومنها اليوم اتخاذ شرائع من عمل البشر , تأمر بما لم يأمر الله به , وتنهى عما لم ينه عنه الله . فإذا واضعوها في مكان الند لله في النفوس المضللة عن سبيل الله , وفي واقع الحياة !
فيا أيها الرسول(قل)للقوم:(تمتعوا). . تمتعوا قليلا في هذه الحياة إلى الأجل الذي قدره الله . والعاقبة معروفة: (فإن مصيركم إلى النار). .