الذاكر الشاكر , ليرد الجاحدين إلى الاعتراف , ويرد الكافرين إلى الشكر , ويرد الغافلين إلى الذكر , ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون . ويبدأ إبراهيم دعاءه:
(رب اجعل هذا البلد آمنا). .
فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان , عظيمة الوقع في حسه , متعلقة بحرصه على نفسه . والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد , الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها وقد استجاب الله دعاء أبيهم إبراهيم فجعل البلد آمنا , ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم , فكفروا النعمة , وجعلوا لله أندادا , وصدوا عن سبيل الله . ولقد كانت دعوة أبيهم التالية لدعوة الأمن:
(واجنبني وبني أن نعبد الأصنام). .
ويبدو في دعوة إبراهيم الثانية تسليم إبراهيم المطلق إلى ربه , والتجاؤه إليه في أخص مشاعر قلبه . فهو يدعوه أن يجنبه عبادة الأصنام هو وبنيه , يستعينه بهذا الدعاء ويستهديه . ثم ليبرز أن هذه نعمة أخرى من نعم الله . وإنها لنعمة أن يخرج القلب من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده . فيخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود , إلى المعرفة والطمأنينة والاستقرار والهدوء . ويخرج من الدينونة المذلة لشتى الأرباب , إلى الدينونة الكريمة العزيزة لرب العباد . . إنها لنعمة يدعو إبراهيم ربه ليحفظها عليه , فيجنبه هو وبنيه أن يعبد الأصنام .
يدعو إبراهيم دعوته هذه لما شهده وعلمه من كثرة من ضلوا بهذه الأصنام من الناس في جيله وفي الأجيال التي قبله ; ومن فتنوا بها ومن افتتنوا وهم خلق كثير:
(رب إنهن أضللن كثيرا من الناس). .
ثم يتابع الدعاء . . فأما من تبع طريقي فلم يفتتن بها فهو مني , ينتسب إلى ويلتقي معي في الآصرة الكبرى , آصرة العقيدة:
(فمن تبعني فإنه مني). .
وأما من عصاني منهم فأفوض أمره إليك:
(ومن عصاني فإنك غفور رحيم). .
وفي هذا تبدو سمة إبراهيم العطوف الرحيم الأواه الحليم ; فهو لا يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله ويحيد عن طريقه , ولا يستعجل لهم العذاب ; بل لا يذكر العذاب , إنما يكلهم إلى غفران الله ورحمته . ويلقي على الجو ظلال المغفرة والرحمة ; وتحت هذا الظل يتوارى ظل المعصية ; فلا يكشف عنه إبراهيم الرحيم الحليم !
ويمضي إبراهيم في دعائه يذكر إسكانه لبعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور للبيت المحرم , ويذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا القفر الجدب ليقوموا بها:
(ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم). .
لماذا ?
(ربنا ليقيموا الصلاة). .