وليس بعيدا عن متناول القدرة . بل إنه لحاضر (عند الله)يفعل به كيفما يشاء . (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله . إن الله عزيز ذو انتقام). .
فما لهذا المكر من أثر , وما يعوق تحقيق وعد الله لرسله بالنصر وأخذ الماكرين أخذ عزيز مقتدر:
(إن الله عزيز ذو انتقام). .
لا يدع الظالم يفلت , ولا يدع الماكر ينجو . . وكلمة الانتقام هنا تلقي الظل المناسب للظلم والمكر , فالظالم الماكر يستحق الانتقام , وهو بالقياس إلى الله تعالى يعني تعذيبهم جزاء ظلمهم وجزاء مكرهم , تحقيقا لعدل الله في الجزاء .
وسيكون ذلك لا محالة:
(يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات). .
ولا ندري نحن كيف يتم هذا , ولا طبيعة الأرض الجديدة وطبيعة السماوات , ولا مكانها ; ولكن النص يلقي ظلال القدرة القادرة التي تبدل الأرض وتبدل السماوات ; في مقابل ذلك المكر الذي مهما اشتد فهو ضئيل عاجز حسير .
وفجأة نرى ذلك قد تحقق:
(وبرزوا لله الواحد القهار). .
وأحسوا أنهم مكشوفون لا يسترهم ساتر , ولا يقيهم واق . ليسوا في دورهم وليسوا في قبورهم . إنما هم في العراء أمام الواحد القهار . . ولفظة(القهار)هنا تشترك في ظل التهديد بالقوة القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة . وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال .
ثم ها نحن أولاء أمام مشهد من مشاهد العذاب العنيف القاسي المذل , يناسب ذلك المكر وذلك الجبروت:
(وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار). .
فمشهد المجرمين:اثنين اثنين مقرونين في الوثاق , يمرون صفا وراء صف . . مشهد مذل دال كذلك على قدرة القهار . ويضاف إلى قرنهم في الوثاق أن سرابيلهم وثيابهم من مادة شديدة القابلية للالتهاب , وهي في ذات الوقت قذرة سوداء . . (من قطران). . ففيها الذل والتحقير , وفيها الإيحاء بشدة الاشتعال بمجرد قربهم من النار !
(وتغشى وجوههم النار). .
فهو مشهد العذاب المذل المتلظي المشتعل جزاء المكر والاستكبار . .
(ليجزي الله كل نفس ما كسبت . إن الله سريع الحساب). .
ولقد كسبوا المكر والظلم فجزاؤهم القهر والذل . إن الله سريع الحساب . فالسرعة في الحساب هنا تناسب المكر والتدبير الذي كانوا يحسبونه يحميهم ويخفيهم , ويعوق انتصار أحد عليهم . فها هو أولاء يجزون ما كسبوا ذلا وألما وسرعة حساب !
الدرس السادس:52 خاتمة في البلاغ والإنذار والتذكير
وفي النهاية تختم السورة بمثل ما بدأت , ولكن في إعلان عام جهير الصوت , عالي الصدى , لتبليغ البشرية كلها في كل مكان: