ويستكمل السياق المشهد الذي ختمه هناك بهذا القضاء العلوي تنسيقا له مع الجلال والروعة والهول . . يستكمله بتقرير حقيقته:
(قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله . حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا:يا حسرتنا على ما فرطنا فيها !). .
فهي الخسارة المحققة المطلقة . . خسارة الدنيا بقضاء الحياة فيها في ذلك المستوى الأدنى . . وخسارة الآخرة على النحو الذي رأينا . . والمفاجأة التي لم يحسب لها أولئك الغافلون الجاهلون حسابا:
(حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا:يا حسرتنا على ما فرطنا فيها !). .
ثم مشهدهم كالدواب الموقرة بالأحمال:
(وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم). .
بل الدواب أحسن حالا . فهي تحمل أوزارا من الأثقال . ولكن هؤلاء يحملون أوزارا من الآثام ! والدواب تحط عنها أوزارها فتذهب لتستريح . وهؤلاء يذهبون بأوزارهم إلى الجحيم . مشيعين بالتأثيم:
(ألا ساء ما يزرون !). .
وفي ظلال هذا المشهد الناطق بالخسارة والضياع , بعد ذلك المشهد الناطق بالهول والرهبة . . يجيء الإيقاع الأخير في هذا القطع ; بحقيقة وزن الدنيا ووزن الآخرة في ميزان الله ; وقيمة هذه الدنيا وقيمة الآخرة في هذا الميزان الصحيح:
(وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو , وللدار الآخرة خير للذين يتقون . أفلا تعقلون ?). .
هذه هي القيمة المطلقة الأخيرة في ميزان الله للحياة الدنيا وللدار الآخرة . . وما يمكن أن يكون وزن ساعة من نهار , على هذا الكوكب الصغير , إلا على هذا النحو , حين توازن بذلك الأبد الأبيد في ذلك الملك العريض . وما يمكن أن تكون قيمة نشاط ساعة في هذه العبادة إلا لعبا ولهوا حين تقاس إلى الجد الرزين في ذلك العالم الآخر العظيم . .
هذا تقييم مطلق . . ولكنه في التصور الإسلامي لا ينشى ء - كما قلنا - إهمالا للحياة الدنيا ولا سلبية فيها ولا انعزالا عنها . . وليس ما وقع من هذا الإهمال والسلبية والانعزال وبخاصة في بعض حركات "التصوف" "والزهد" بنابع من التصور الإسلامي أصلا . إنما هو عدوى من التصورات الكنسية الرهبانية ; ومن التصورات الفارسية . ومن بعض التصورات الإشراقية الإغريقية المعروفة بعد انتقالها للمجتمع الإسلامي !
والنماذج الكبيرة التي تمثل التصور الإسلامي في أكمل صورة , لم تكن سلبية ولا انعزالية . . فهذا جيل الصحابة كله ; الذين قهروا الشيطان في نفوسهم , كما قهروه في الأنظمة الجاهلية السائدة من حولهم في الأرض ; حيث كانت الحاكمية للعباد في الإمبراطوريات . . هذا الجيل الذي كان يدرك قيمة الحياة الدنيا كما هي في ميزان الله , هو الذي عمل للآخرة بتلك الآثار الإيجابية الضخمة في واقع الحياة , وهو الذي زاول الحياة بحيوية ضخمة , وطاقة فائضة , في كل جانب من جوانبها الحية الكثيرة .
إنما أفادهم هذا التقييم الرباني للحياة الدنيا وللدار الآخرة , أنهم لم يصبحوا عبيدا للدنيا . لقد ركبوها ولم تركبهم ! وعبدوها فذللوها لله ولسلطانه ولم تستعبدهم ! ولقد قاموا بالخلافة عن الله فيها بكل ما تقتضيه الخلافة عن الله من تعمير وإصلاح , ولكنهم كانوا يبتغون في هذه الخلافة وجه الله , ويرجون الدار الآخرة فسبقوا أهل الدنيا في الدنيا , ثم سبقوهم كذلك في الآخرة !