(إنما يستجيب الذين يسمعون . والموتى يبعثهم الله . ثم إليه يرجعون). . إن الناس يواجهون هذا الحق الذي جاءهم به الرسول من عند الله وهم فريقان:
فريق حي , أجهزة الاستقبال الفطرية فيه حية , عاملة , مفتوحة . . وهؤلاء يستجيبون للهدى . فهو من القوة والوضوح والاصطلاح مع الفطرة والتلاقي معها إلى الحد الذي يكفي أن تسمعه , فتستجيب له:
(إنما يستجيب الذين يسمعون). .
وفريق ميت , معطل الفطرة , لا يسمع ولا يستقبل , ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب . . ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله - فدليله كامن فيه , ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه , فاستجابت إليه حتما - إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة , وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي ! وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول , ولا مجال معهم للبرهان . إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله . إن شاء بعثهم إن علم منهم ما يستحق أن يحييهم , وإن شاء لم يبعثهم في هذه الحياة الدنيا , وبقوا أمواتا بالحياة حتى يرجعوا إليه في الآخرة .
(والموتى يبعثهم الله . ثم إليه يرجعون). .
هذه هي قصة الاستجابة وعدم الاستجابة ! تكشف حقيقة الموقف كله , وتحدد واجب الرسول وعمله , وتترك الأمر كله لصاحب الأمر يقضي فيه بما يريد .
الدرس الثاني:37 الرد على طلب الكفار آيات والإشارة إلى الآيات في المخلوقات
ومن خطاب رسول الله [ ص ] بهذه الحقيقة , ينتقل السياق إلى حكاية ما يطلبه المشركون من إنزال خارقة , وإلى بيان ما في هذا الطلب من الجهالة بسنة الله , ومن سوء إدراك لرحمته بهم ألا يستجيب لهذا الإقتراج الذي في أعقابه التدمير لهم لو أجيبوا إليه ! ويعرض جانبا من دقة التدبير الإلهي وإحاطته بالأحياء جميعا , يوحي بحكمة السنة الشاملة للأحياء جميعا . وينتهي بتقرير ما وراء الهدى والضلال من أسرار وسنن تجري بها مشيئة الله طليقة .
وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه ! قل:إن الله قادر على أن ينزل آية , ولكن أكثرهم لا يعلمون . وما من دابة في الأرض , ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء , ثم إلى ربهم يحشرون . والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله , ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم . .
لقد كانوا يطلبون آية خارقة كالخوارق المادية التي صاحبت الرسالات السابقة , ولا يقنعون بآية القرآن الباقية , التي تخاطب الإدراك البشري الراشد , وتعلن عهد الرشد الإنساني , وتحترم هذا الرشد فتخاطبه هذا الخطاب الراقي ; والتي لا تنتهي بانتهاء الجيل الذي يرى الخارقة المادية ; بل تظل باقية تواجه الإدراك البشري بإعجازها إلى يوم القيامة . .
وكانوا يطلبون خارقة , ولا يفطنون إلى سنة الله في أخذ المكذبين بالدعوة بعد مجيء الخارقة , وإهلاكهم في الدنيا . ولا يدركون حكمة الله في عدم مجيئهم بهذه الخارقة , وهو يعلم أنهم سيجحدون بها بعد وقوعها - كما وقع في الأقوام قبلهم - فيحق عليهم الهلاك , بينما يريد الله أن يمهلهم ليؤمن منهم من يؤمن . فمن لم يؤمن استخرج الله من ظهره ذرية مؤمنة . ولا يشكرون نعمة الله عليهم في إمهالهم , وذلك بعدم الاستجابة لاقتراحهم , الذي لا يعلمون جرائره !