موضوع الوحدة الثانية:موقف المشركين هذه هي الموجة التالية في افتتاح السورة ; بعد الموجة الأولى ذات اللمسات العريضة . . الموجة التي غمرت الكون كله بحقيقة الوجود الإلهي متجلية في خلق السماوات والأرض , منشئة للظلمات والنور ; ثم في خلق الإنسان من مادة هذه الأرض ; وتقدير أجله الذي ينتهي بالموت ; والاحتفاظ بسر الأجل الآخر المضروب للبعث ; والإحاطة بسر الناس وجهرهم , وما يكسبون في السر والجهر . . هذا الوجود الإلهي الذي يتجلى في الآفاق والأنفس , هو وجود متفرد متوحد ; ليس مثله وجود ; لأنه ما من خالق غير الله ; كما أنه وجود غامر باهر قاهر يبدو التكذيب في ظله والإعراض عن هذه الآيات الهائلة , منكرا قبيحا , لا سند له , ولا عذر لصاحبه . .
ومن ثم يعرض السياق موقف المشركين الذين يعارضون الدعوة الإسلامية في ظل هذا الوجود الغامر الباهر القاهر ; فيبدو هذا الموقف منكرا قبيحا , حتى في حس أصحابه الذين يواجههم هذا القرآن بهذه الحقيقة ! ويكسب القرآن المعركة في الجولة الأولى . يكسبها في أعماق فطرة الناس , على الرغم من مكابرتهم ومن عنادهم الظاهرين !
وهو يعرض في هذه الموجة صورة العناد والمكابرة ; ويواجهها بالتهديد مرة ; وبتوجيه القلوب إلى مصارع المكذبين من قبل مرة ; ويحشد فيها عدة مؤثرات وموحيات . بعد الهزة الأولى التي مضت بها تلك الموجة العريضة:
الدرس الأول:4 - 6 موقف الكفار من الحق
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين . فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم , وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . .
إنهم يتخذون موقف الإعراض عنادا واصرارا . فليس الذي ينقصهم هو الآيات الداعية إلى الإيمان , ولا العلامات الدالة على صدق الدعوة والداعية , ولا البراهين الناطقة بما وراء الدعوة والداعية من ألوهية حقة , هي التي يدعون إلى الإيمان بها والاستسلام لها . . ليس هذا هو الذي ينقصهم , إنما تنقصهم الرغبة في الاستجابة , ويمسك بهم العناد والإصرار , ويقعد بهم الإعراض عن النظر والتدبر: