حقيقة هذا التصور , وتهتز له ; لأنه يمثل حقيقة كامنة فيها , يعلم بارئها سبحانه أنها كامنة فيها ويخاطبها بها على سبيل التصور ; فتهتز لها وترتجف وتتعرى ! وهو يسألهم ويطلب إليهم الجواب بالصدق من ألسنتهم ; ليكون تعبيرا عن الصدق في فطرتهم:
(أغير الله تدعون . . إن كنتم صادقين).
ثم يبادر فيقرر الجواب الصادق , المطابق لما في فطرتهم بالفعل , ولو لم تنطق به ألسنتهم:
(بل إياه تدعون . . فيكشف ما تدعون إليه إن شاء . . وتنسون ما تشركون).
بل تدعونه وحده ; وتنسون شرككم كله ! . . إن الهول يعري فطرتكم - حينئذ - فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده . وتنسى أنها أشركت به أحدا . بل تنسى هذا الشرك ذاته . . إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها ; فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها , بفعل عوامل أخرى . قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها . فإذا هزها الهول تساقط هذا الركام , وتطايرت هذه القشرة , وتكشفت الحقيقة الأصيلة , وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها , ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به , ولا حيلة لها فيه . .
هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول ; يواجه السياق القرآني به المشركين . . فأما شأن الله - سبحانه - فيقرره في ثنايا المواجهة . فهو يكشف ما يدعونه إليه - إن شاء - فمشيئته طليقة , لا يرد عليها قيد . فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه ; وإن شاء لم يستجب , وفق تقديره وحكمته وعلمه .
هذا هو موقف الفطرة من الشرك الذي تزاوله أحيانا , بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف , نتيجة عوامل شتى , تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها . . حقيقة اتجاهها إلى ربها ومعرفتها بوحدانيته . . فما هو موقفها من الإلحاد وإنكار وجود الله أصلا ?
نحن نشك شكا عميقا - كما قلنا من قبل - في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه . نحن نشك في أن هناك خلقا أنشأته يد الله , ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تماما طابع اليد التي أنشأته ; وفي صميم كينونته هذا الطابع , مختلطا بتكوينه متمثلا في كل خلية وفي كل ذرة !
إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع , ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة , ومن الكبت والقمع , ومن أنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة . . إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوربا قرونا طويلة . . هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية . . فرارا في التية , من الغول الكريه .
ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي ; ودفع النصارى بعيدا عن دينهم ; ليسلس لهم قيادهم , ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم , وليتيسر لهم استخدامهم - كالحمير - على حد تعبير "التلمود" و"بروتوكولات" حكماء صهيون " . . وما كان اليهود ليبلغوا من هذا كله شيئا إلا باستغلال ذلك التاريخ الأوربي النكد , لدفع الناس إلى الإلحاد هربا من الكنيسة .
ومع كل هذا الجهد الناصب , المتمثل في محاولة "الشيوعية " - وهي إحدى المنظمات اليهودية - لنشر الإلحاد , خلال أكثر من نصف قرن , بمعرفة كل أجهزة الدولة الساحقة , فإن الشعب الروسي نفسه لم يزل