على قصره - بالأكاذيب والأغاليط ; وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة والمحركة للتاريخ البشري ; والتي يكمن بعضها في أغوار النفس , ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب , ولا يبدو منها إلا بعضها , وهذا البعض يخطى ء البشر في جمعه , ويخطئون في تفسيره , ويخطئون أيضا في تمييز صحيحه من زائفة - إلا قليلا - ودعوى أي بشر أنه أحاط بالتاريخ البشري علما , وأنه يملك تفسيره تفسيرا "علميًا" وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضا . . هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن عجب أن بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال ذلك المدعي:إنه يتحدث عن [ توقعات ] لا عن [ حتميات ] لكان ذلك مستساغا . . ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري ?! والله يقول الحق ; ويعلم ماذا كان , ولماذا كان . ويقص على عبيده - رحمة منه وفضلا - جانبا من أسرار سنته وقدره ; ليأخذوا حذرهم ويتعظوا ; وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة ; يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيرا كاملا صحيحا . ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون , استنادا إلى سنة الله التي لا تتبدل . . هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها . .
وفي هذه الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى . . أمم جاءتهم رسلهم . فكذبوا . فأخذهم الله بالبأساء والضراء . في أموالهم وفي أنفسهم . في أحوالهم وأوضاعهم . . البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون "عذاب الله" الذي تحدثت عنه الآية السابقة , وهو عذاب التدمير والاستئصال . .
وقد ذكر القرآن نموذجا محددا من هذه الأمم , ومن البأساء والضراء التي أخذها بها . . في قصة فرعون وملئه:(ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا جاءتهم الحسنة قالوا:لنا هذه , وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه . ألا إنما طائرهم عند الله , ولكن أكثرهم لا يعلمون . وقالوا:مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم , آيات مفصلات , فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين). .
وهو نموذج من نماذج كثيرة تشير إليها الآية . .
لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم ; وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم , لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله , ويتذللون له , وينزلون عن عنادهم واستكبارهم , ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة , فيرفع الله عنهم البلاء , ويفتح لهم أبواب الرحمة . . ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريا أن يفعلوا . لم يلجأوا إلى الله , ولم يرجعوا عن عنادهم , ولم ترد إليهم الشدة وعيهم , ولم تفتح بصيرتهم , ولم تلين قلوبهم . وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد:
(ولكن قست قلوبهم , وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون). .
والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة ! ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس ! وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه , فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة , التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة . والشدة ابتلاء من الله للعبد ; فمن كان حيا أيقظته , وفتحت مغاليق قلبه , وردته إلى ربه ; وكانت رحمه له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه . . ومن كان ميتا حسبت عليه , ولم تفده شيئا , وإنما أسقطت عذرة وحجته , وكانت عليه شقوة , وكانت موظئة للعذاب !
وهذه الأمم التي يقص الله - سبحانه - من أنبائها على رسوله [ ص ] ومن وراءه من أمته . . لم تفد من الشدة شيئا . لم تتضرع إلى الله , ولم ترجع عما زينه لها الشيطان من الإعراض والعناد . . وهنا يملي