ولا يغفل عاملا واحدا من العوامل التي تجري بها سنة الله في الحياة . . الدرس الثاني:7 - 9 عناد الكفارليس لنقص الآيات
ثم يمضي السياق يصور طبيعة العناد , التي ينبعث منها ذلك الإعراض ; فيرسم نموذجا عجيبا من النفوس البشرية . . ولكنه نموذج مع ذلك مكرور , يجده الإنسان في كل عصر وفي كل بيئة وفي كل جيل . . نموذج النفس المكابرة , التي يخرق الحق عينها ولا تراه ! والتي تنكر ما لا ينكر لأنه من الوضوح بحيث يخجل المخالف أن ينكره ! على الأقل من باب الحياء ! . . والقرآن يرسم هذا النموذج شاخصا في كلمات قلائل , على طريقة التعبير القرآني المبدعة المعجزة في التعبير والتصوير :
(ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم , لقال الذين كفروا:إن هذا إلا سحر مبين). .
إنه ليس الذي يجعلهم يعرضون عن أيات الله , أن البرهان على صدقها ضعيف , أو غامض , أو تختلف فيه العقول . إنما الذي يجعلهم يقفون هذا الموقف هو المكابرة الغليظة والعناد الصفيق ! وهو الإصرار مبدئيا على الرفض والإنكار وعدم اعتبار البرهان أو النظر إليه أصلا ! ولو أن الله - سبحانه - نزل على رسول الله [ ص ] هذا القرآن , لا عن طريق الوحي الذي لا يرونه ; ولكن في ورقة منظورة ملموسة محسوسة ; ثم لمسوا هم هذه الورقة بأيديهم - لا سماعا عن غيرهم , ولا مجرد رؤية بعيونهم - ما سلموا بهذا الذي يرونه ويلمسونه , ولقالوا جازمين مؤكدين:
إن هذا إلا سحر مبين .
وهي صورة صفيقة , منكرة , تثير الاشمئزاز , وتستعدي من يراها عليها ! صورة تثير النفس لتتقدم فتصفعها ! حيث لا مجال مع هذه الجبلات لحجة أو جدل أو دليل !
وتصويرها على هذا النحو - وهي صورة تمثل حقيقة لنماذج مكرورة - يؤدي غرضين أو عدة أغراض:
إنه يجسم للمعارضين أنفسهم حقيقة موقفهم الشائن الكريه البغيض ; كالذي يرفع المرآة لصاحب الوجه الشائه والسحنة المنكرة , , ليرى نفسه في هذه المرآة , ويخجل منها !
وهو في الوقت ذاته يستجيش ضمائر المؤمنين تجاه إعراض المشركين وإنكار المنكرين ; ويثبت قلوبهم على الحق , فلا تتأثر بالجو المحيط من التكذيب والإنكار والفتنة والإيذاء .
كذلك هو يوحي بحلم الله الذي لا يعجل على هؤلاء المعارضين المكذبين , وهم في مثل هذا العناد المنكر الصفيق .
وكلها أسلحة وحركة في المعركة التي كانت تخوضها الجماعة المسلمة بهذا القرآن في مواجهة المشركين .
بعد ذلك يحكي نموذجا من اقتراحات المشركين , التي يمليها التمحل والعناد , كما يمليها الجهل وسوء التصور . . ذلك إذ يقترحون أن ينزل الله - سبحانه - على الرسول [ ص ] ملكا يصاحبه في تبليغ الدعوة ; ويصدقه في أنه مرسل من عند الله . . ثم يبين لهم ما في هذا الاقتراح من جهل بطبيعة الملائكة , وبسنة الله في إرسالهم , كما يبين لهم رحمة الله بهم في أن لا يستجيب لهم فيما يقترحون: