الطمأنينة على قلوب العصبة المسلمة . والله عليم بسرائرهم , مطلع على قلة عددهم وضعف عدتهم , وما تحدثه في نفوسهم لو عرفوا كثرة عدوهم , من ضعف عن المواجهة ; وتنازع على الالتحام أو الإحجام . وكان هذا تدبيراً من تدبير الله العليم بذات الصدور . وحينما التقى الجمعان وجهاً لوجه , تكررت الرؤيا النبوية الصادقة , في صورة عيانية من الجانبين ; وكان هذا من التدبير الذي يذكرهم الله به ; عند استعراض المعركة وأحداثها وما وراءها .
(وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً , ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً , وإلى الله ترجع الأمور). .
ولقد كان في هذا التدبير الإلهي ما أغرى الفريقين بخوض المعركة . . والمؤمنون يرون أعداءهم قليلاً , لأنهم يرونهم بعين الحقيقة ! - والمشركون يرونهم قليلاً - وهم يرونهم بعين الظاهر - ومن وراء الحقيقتين اللتين رأى كل فريق منهما صاحبه بها , تحققت غاية التدبير الإلهي ; ووقع الأمر الذي جرى به قضاؤه . . (وإلى الله ترجع الأمور). .
وهو التعقيب المناسب لتحقق التدبير ووقوع القضاء . . . فهو أمر من الأمور التي مرجعها لله وحده , يصرفها بسلطانه , ويوقعها بإرادته , ولا تند عن قدرته وحكمه . ولا ينفذ شيء في الوجود إلا ما قضاه وأجرى به قدره .
الدرس الثالث:45 - 49 من شروط النصر وأسباب الهزيمة وبعض أحداث بدر
وإذ إن الأمر كذلك . . التدبير تدبير الله . والنصر من عند الله . والكثرة العددية ليست هي التي تكفل النصر . والعدة المادية ليست هي التي تقرر مصير المعركة . . فليثبت الذين آمنوا إذن حين يلقون الذين كفروا ; وليتزودوا بالعدة الحقيقية للمعركة ; وليأخذوا بالأسباب الموصولة بصاحب التدبير والتقدير , وصاحب العون والمدد , وصاحب القوة والسلطان ; وليتجنبوا أسباب الهزيمة التي هزمت الكفار على كثرة العدد وكثرة العدة ; وليتجردوا من البطر والكبرياء والباطل ; وليحترزوا من خداع الشيطان , الذي أهلك أولئك الكفار ; وليتوكلوا على الله وحده فهو العزيز الحكيم:
(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا . واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون . وأطيعوا الله ورسوله ; ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم . واصبروا إن الله مع الصابرين . ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله , والله بما يعملون محيط . وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم , وقال:لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم . فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال:إني بريء منكم , إني أرى ما لا ترون , إني أخاف الله , والله شديد العقاب . إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض:غر هؤلاء دينهم ! ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم). .
وفي هذه الفقرات القليلة تحتشد معان وإيحاءات , وقواعد وتوجيهات , وصور ومشاهد ; وتشخص مواقف من المعركة كأنها حية واقعة , وتتكشف خواطر ومشاعر وضمائر وسرائر . . مما يحتاج تصويره إلى أضعاف هذه المساحة من التعبير ; ثم لا يبلغ ذلك شيئاً من هذا التصوير المدهش الفريد !
إنها تبدأ بنداء الذين آمنوا - في سلسلة النداءات المتكررة للعصبة المسلمة في السورة - وتوجيههم إلى الثبات عند لقاء الأعداء , وإلى التزود بزاد النصر ; والتأهب بأهبته .