|
في ظلال القرآن
الكريم
الأنفال من الاية 49 الى الاية 51 إöذْ يَقُولُ الْمُنَافöقُونَ وَالَّذöينَ فöي قُلُوبöهöم مَّرَضñ غَرَّ هَِؤُلاء دöينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهö فَإöنَّ اللّهَ عَزöيزñ حَكöيمñ (49) وَلَوْ تَرَى إöذْ يَتَوَفَّى الَّذöينَ كَفَرُواْ الْمَلآئöكَةُ يَضْرöبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرöيقö (50) ذَلöكَ بöمَا قَدَّمَتْ أَيْدöيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بöظَلاَّمٍ لّöلْعَبöيدö (51)
هذا ما تدركه القلوب المؤمنة وتطمئن إليه ; وما هو محجوب عن القلوب الخاوية فلا تحسب حسابه ! وهذا ما يرجح الكفة , ويقرر النتيجة , ويفصل في القضية في نهاية المطاف في كل زمان وفي كل مكان . وقولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض , عن العصبة المسلمة يوم بدر: (غر هؤلاء دينهم). . هي قولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض كلما رأوا العصبة المسلمة تتعرض لجحافل الطاغوت في عنفوانه ; وعدتها الأساسية التي تملكها هي هذا الدين ; وهي هذه العقيدة الدافعة الدافقة ; وهي الغيرة على ألوهية الله وعلى حرمات الله ; وهي التوكل على الله والثقة بنصره لأوليائه . إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقفون ليتفرجوا والعصبة المسلمة تصارع جحافل الطاغوت , وفي نفوسهم سخرية من هذه العصبة التي تتصدى للخطر , وتستخف بالخطر ! وفي نفوسهم عجب كذلك ودهشة في اقتحام العصبة المسلمة للمكاره الظاهرة , وللأخطار الواضحة . . إنهم هم لا يعرفون مبرراً لهذا التهور - كما يسمونه - وللإلقاء بالنفس إلى التهلكة ! . . إنهم يحسبون الحياة كلها - بما فيها الدين والعقيدة - صفقة في سوق التجارة . إن كانت ظاهرة الربح أقدموا عليها ; فأما إذا كان الخطر فالسلامة أولى ! . . إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن , ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان . . إنها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائماً ; فهي مؤدية الى إحدى الحسنيين:النصر والغلب , أو الشهادة والجنة . . ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف ; فهناك الله . . وهذا مالا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض ! والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان والعقيدة ; وأن تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه , وأن ترى بنور الله وهداه , وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة , وألا تستهين بقوتها ووزنها فإن معها الله , وأن تلقي بالها دائما إلى تعليم الله سبحانه للمؤمنين: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم). . . . وصدق الله العظيم . . الدرس الرابع:50 - 54 مشاهد من تعذيب الكفار وأخيراً يعرض السياق القرآني مشهداً من مشاهد التدخل الإلهي في المعركة , والملأ الأعلى من الملائكة - بأمر الله وإذنه - يشارك في أخذ الذين كفروا بالتعذيب والتأنيب ; والملائكة يقبضون أرواحهم في صورة منكرة , ويؤذونهم أذى مهيناً - جزاء على البطر والاستكبار - ويذكرونهم في أشد اللحظات ضيقا وحرجا بسوء أعمالهم وبسوء مآلهم , جزاء وفاقاً لا يظلمهم الله فيه شيئاً . . ويقرر السياق في إثر عرض هذا المشهد أن أخذ الكفار بتكذيبهم سنة ماضية: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم) (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)وأنه كذلك أخذ فرعون وملأه , وكذلك يأخذ كل من يفعل فعله ويشرك شركه: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم , وذوقوا عذاب الحريق . ذلك بما قدمت أيديكم , وأن الله ليس بظلام للعبيد . كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله , فأخذهم الله بذنوبهم , إن الله قوي شديد العقاب . ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم , وأن الله سميع عليم . كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم , فأهلكناهم بذنوبهم , وأغرقنا آل فرعون . وكل كانوا ظالمين . والآيتان الأوليان في هذا المقطع: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم , وذوقوا عذاب الحريق , ذلك بما قدمت أيديكم , وأن الله ليس بظلام للعبيد). . قد تعنيان حال المشركين يوم بدر ; والملائكة تشترك في المعركة - كما قال لهم الله سبحانه: (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله , ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب). . وإن كنا - كما قلنا عند استعراض هذا النص في الجزء التاسع - لا ندري كيف تضرب الملائكة فوق الأعناق وكل بنان . ولكن جهلنا بالكيفية لا يدعونا إلى تأويل هذا النص عن مدلوله الظاهر ; وهو أن هناك أمراً من الله للملائكة بالضرب , وأن الملائكة (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) . . وتكون هاتان الآيتان هنا تذكيراً بما كان يوم بدر ; وتكملة لحكاية فعل الملائكة فيه بالذين كفروا . . كما أن هاتين الآيتين قد تعنيان حالة دائمة كلما توفت الملائكة الذين كفروا . . في يوم بدر وفي غيره . . ويكون قوله تعالى: (ولو ترى). . موجهاً توجيه الخطاب لكل من يرى , كما يكثر مثل هذا الاسلوب في التوجيه إلى المشاهد البارزة التي من شأنها أن يتوجه إليها كل من يرى . . وسواء كان هذا أو ذاك . فالتعبير القرآني يرسم صورة منكرة للذين كفروا , والملائكة تستل منهم أرواحهم في مشهد مهين ; يضيف المهانة والخزي , إلى العذاب والموت: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم). . ثم يتحول السياق من صيغة الخبر إلى صيغة الخطاب: (وذوقوا عذاب الحريق). ليرد المشهد حاضراً كأنه اللحظة مشهود ; وكأنما جهنم بنارها وحريقها في المشهد وهم يدفعون إليها دفعاً مع التأنيب والتهديد: (ذلك بما قدمت أيديكم). . وأنتم إنما تلاقون جزاء عادلاً , تستحقونه بما قدمت أيديكم: (وأن الله ليس بظلام للعبيد). . وهذا النص - بما يعرضه من مشهد "عذاب الحريق" - يثير في النفس سؤالا:ترى هذا تهديد من الملائكة للذين كفروا بعذاب المستقبل المقرر لهم - كأنه واقع بهم - بعد البعث والحساب ? أم أنهم يلاقون عذاب الحريق بمجرد توفيهم ? . . وكلاهما جائز , لا يمنع مانع من فهمه من النص القرآني . . ولا نحب أن نزيد شيئاً على هذا التقرير . . فهو أمر من أمور الغيب الذي استأثر الله بعلمه ; وليس علينا فيه إلا اليقين بوقوعه . وهو واقع ماله من دافع . أما موعده فعلم ذلك عند علام الغيوب . وننتقل من هذه الوقفة الخاطفة , مع السياق في انتقاله إلى تقرير الحقيقة الكلية وراء هذا المشهد . . إن
السابق - التالي
|