أخذ الذين كفروا بالمهانة والعذاب , سنة ماضية لا تتخلف ولا تتبدل ; فهذا هو المصير المحتوم الذي جرت به السنة من قديم:(كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ; كفروا بآيات الله , فأخذهم الله بذنوبهم , إن الله قوي شديد العقاب). .
إن الله - سبحانه - لا يكل الناس إلى فلتات عابرة , ولا إلى جزاف لا ضابط له . . إنما هي سنته يمضي بها قدره . . وما أصاب المشركين في يوم بدر , هو ما يصيب المشركين في كل وقت ; وقد أصاب آل فرعون والذين من قبلهم:
(كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم). .
ولم يعجزوه - سبحانه - ولم يتخلف عنهم عقابه:
(إن الله قوي شديد العقاب).
ولقد آتاهم الله من نعمته , ورزقهم من فضله , ومكن لهم في الأرض , وجعلهم خلائف فيها . . وهذا كله إنما يعطيه الله للناس ابتلاء منه وامتحاناً , لينظر أيشكرون أم يكفرون ? ولكنهم كفروا ولم يشكروا ; وطغوا وبغوا بما أعطوا , وغيرتهم النعمة والقوة فصاروا جبابرة وطواغيت كفرة فجرة . . وجاءتهم آيات الله فكفروا بها . . وعندئذ حقت عليهم سنة الله في أخذ الكافرين بعد أن تبلغهم آياته فيكذبوا بها . . وعندئذ غير الله النعمة , وأخذهم بالعذاب , ودمر عليهم تدميراً:
(ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . وأن الله سميع عليم . كدأب آل فرعون والذين من قبلهم . كذبوا بآيات ربهم , فأهلكناهم بذنوبهم , وأغرقنا آل فرعون . وكل كانوا ظالمين). .
لقد أهلكهم الله بعد التكذيب بآياته . ولم يهلكهم قبلها سبحانه - مع أنهم كانوا كافرين - لأن هذه سنته ورحمته: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً). . وهو يعبر هنا عن آل فرعون والذين من قبلهم من أمثالهم الذين كذبوا بآيات الله فأهلكهم . . بأنهم (كانوا ظالمين). . مستخدماً لفظ "الظلم" بمعنى "الكفر" أو "الشرك" وهذا هو الاستعمال الغالب في القرآن . .
ولا بد أن نقف قليلاً عند نص هذه الآية:
(ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). .
إنه , من جانب , يقرر عدل الله في معاملة العباد ; فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم , ويبدلوا سلوكهم , ويقلبوا أوضاعهم , ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها . . ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم , حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله ; ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنياً على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم , وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم . . ومن الجانب الثالث يلقي تبعة عظيمة - تقابل التكريم العظيم - على هذا الكائن . فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه