فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا الله ولا يقدر عليها إلا الله . يقول رسول الله [ ص ]:" إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى " قالوا:يا رسول الله تخبرنا من هم . قال:" هم قوم تحابوا بروح الله بينهم , على غير أرحام بينهم , ولا أموال يتعاطونها , والله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور . لا يخافون إذا خاف الناس , ولا يحزنون إذا حزن الناس " . . [ أخرجه أبو داود ] .
ويقول [ ص ]:" إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم , فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار " . . [ رواه الطبراني ] .
وتتوارد أقوال الرسول تترى في هذا الباب ; وتشهد أعماله بأصالة هذا العنصر في رسالته [ ص ] ; كما تشهد الأمة التي بناها على الحب أنها لم تكن مجرد كلمات مجنحة , ولا مجرد أعمال مثالية فردية ; إنما كانت واقعاً شامخاً قام على هذا الأساس الثابت , بإذن الله , الذي لا يقدر على تأليف القلوب هكذا سواه .
الدرس الثاني:64 - 66 وحدة الصف الإسلامي والتخفيف في القتال
بعد ذلك يمضي السياق يطمئن رسول الله [ ص ] والعصبة المسلمة من ورائه , إلى ولاية الله - سبحانه - له ولها ; وهو حسبه وحسبها ; ثم يأمره بتحريض المؤمنين على القتال في سبيل الله ; فهم أكفاء لعشرة أمثالهم ممن لا يفقهون فقههم ; وهم على الأقل أكفاء لمثليهم في أضعف الحالات:
يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين . يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال , إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين , وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا , بأنهم قوم لا يفقهون . الآن خفف الله عنكم , وعلم أن فيكم ضعفاً , فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين , وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله , والله مع الصابرين . .
ويقف الفكر ليستعرض القوة التي لا راد لها , ولا معقب عليها - قوة الله القوي العزيز - وأمامها تلك القوة الضئيلة العاجزة الهزيلة - التي تتصدى لكتائب الله - فإذا الفرق شاسع , والبون بعيد . وإذا هي معركة مضمونة العاقبة , معروفة النهاية , مقررة المصير . . وهذا كله يتضمنه قوله تعالى:
(يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين). .
ومن ثم يأتي الأمر بتحريض المؤمنين على القتال - في سبيل الله - وقد تهيأت كل نفس , واستعد كل قلب وشد كل عصب , وتحفز كل عرق ; وانسكبت في القلوب الطمأنينة والثقة واليقين:
(يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال). .
حرضهم وهم لعدوهم وعدو الله كفء , وإن قل عددهم وكثر أعداؤهم وأعداء الله حولهم:
إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين , وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا . .
فأما تعليل هذا التفاوت فهو تعليل مفاجيء عجيب . ولكنه صادق عميق:
(بأنهم قوم لا يفقهون). .