حتى إذا ذاق بنو إسرائيل ويلات الغلب والقهر والذل ; فرجعوا إلى ربهم , وأصلحوا أحوالهم وأفادوا من البلاء المسلط عليهم . وحتى إذا استعلى الفاتحون وغرتهم قوتهم , فطغوا هم الآخرون وأفسدوا في الأرض , أدال الله للمغلوبين من الغالبين , ومكن للمستضعفين من المستكبرين:(ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا). .
ثم تتكرر القصة من جديد !
وقبل أن يتم السياق بقية النبوءة الصادقة والوعد المفعول يقرر قاعدة العمل والجزاء:
(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها). .
القاعدة التي لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة ; والتي تجعل عمل الإنسان كله له , بكل ثماره ونتائجه . وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل , منه تنتج , وبه تتكيف ; وتجعل الإنسان مسؤولا عن نفسه , إن شاء أحسن إليها , وإن شاء أساء , لا يلومن إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء .
فإذا تقررت القاعدة مضى السياق يكمل النبوءة الصادقة:
(فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم , وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة , وليتبروا ما علوا تتبيرا). .
ويحذف السياق ما يقع من بني إسرائيل بعد الكرة من إفساد في الأرض , اكتفاء بذكره من قبل: (لتفسدن في الأرض مرتين)ويثبت ما يسلطه عليهم في المرة الآخرة: فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم بما يرتكبونه معهم من نكال يملأ النفوس بالإساءة حتى تفيض على الوجوه , أو بما يجبهون به وجوههم من مساءة وإذلال . ويستبيحون المقدسات ويستهينون بها: (وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة)ويدمرون ما يغلبون عليه من مال وديار (وليتبروا ما علوا تتبيرا). . وهي صورة للدمار الشامل الكامل الذي يطغى على كل شيء , والذي لا يبقي على شيء .
ولقد صدقت النبوءة ووقع الوعد , فسلط الله على بني إسرائيل من قهرهم أول مرة , ثم سلط عليهم من شردهم في الأرض , ودمر مملكتهم فيها تدميرا .
ولا ينص القرآن على جنسية هؤلاء الذين سلطهم على بني إسرائيل , لأن النص عليها لا يزيد في العبرة شيئا . والعبرة هي المطلوبة هنا . وبيان سنة الله في الخلق هو المقصود .
ويعقب السياق على النبوءة الصادقة والوعد المفعول , بأن هذا الدمار قد يكون طريقا للرحمة: (عسى ربكم أن يرحمكم)إن أفدتم منه عبرة .
فأما إذا عاد بنو إسرائيل إلى فساد في الأرض فالجزاء حاضر والسنة ماضية: (وإن عدتم عدنا). .
ولقد عادوا إلى الإفساد فسلط الله عليهم المسلمين فأخرجوهم من الجزيرة كلها . ثم عادوا إلى الإفساد فسلط عليهم عبادا آخرين , حتى كان العصر الحديث فسلط عليهم "هتلر" ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة "إسرائيل" التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات . وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب , تصديقا لوعد الله القاطع , وفاقا لسنته التي لا تتخلف . . وإن غدا لناظره قريب !
ويختم السياق الآية بمصير الكافرين في الآخرة لما بينه وبين مصير المفسدين من مشاكلة:
(وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا). . تحصرهم فلا يفلت منهم أحد ; وتتسع لهم فلا يند عنها أحد .