بها كذلك من مصالح مادية . . هي العنصر الأول الذي يقود إلى التشبث بالعقيدة الواهية الظاهرة البطلان , في وجه العقيدة القوية الظاهرة الاستقامة . . ثم كانت صور الحياة الجاهلية ومتاعها ولذائذها وشهواتها إلى جانب ذلك تزيد المقاومة والعناد والتأبي على العقيدة الجديدة , وما فيها من اتجاهات أخلاقية وقيم رفيعة , لا تسمح بانطلاق الغرائز والشهوات ; ولا بالحياة العابثة الماجنة المطلقة من كوابح الأخلاق . وهذه الأسباب - سواء ما يتعلق منها بالمكانة والقيم الاجتماعية والسلطان والمال والمصالح , وما يتعلق منها بالإلف والعادة وصور الحياة التقليدية , وما يتعلق منها بالانطلاق من القيم والقيود الأخلاقية - كانت قائمة في وجه الدعوة الأولى , وهي هي قائمة في وجه الدعوة في كل أرض وفي كل جيل . وهي تمثل العناصر الثابتة في معركة العقيدة , التي تجعلها معركة عنيدة لا تنتهي من قريب ; وتجعل مشاقها وتكاليفها والثبات عليها من أعسر التكاليف .
ومن ثم ينبغي للدعاة إلى دين الله في أي أرض وفي أي زمان أن يعيشوا طويلا في الحقيقة الكبيرة الكامنة في تلك الآيات , وملابسات نزولها على الرسول [ ص ] فهي ملابسات معركة واحدة يخوضها كل صاحب دعوة إلى الله , في أي أرض وفي أي زمان !
لقد تلقى رسول الله [ ص ] التكليف من ربه لينذر , وقيل له:(يا أيها المدثر . قم فأنذر). . فلما أن نهض بالتكليف واجهته تلك العوامل والأسباب التي تصد القوم عن الدعوة الجديدة , وتثير في نفوسهم التشبت بما هم عليه - على شعورهم بوهنه وهلهلته - وتقودهم إلى العناد الشديد , ثم إلى الدفاع العنيد عن معتقداتهم وأوضاعهم ومكانتهم ومصالحهم . ومألوف حياتهم , ولذائذهم وشهواتهم . . إلى آخر ما تهدده الدعوة الجديدة أشد التهديد .
وأخذ هذا الدفاع العنيد صورا شتى , في أولها إيذاء القلة المؤمنة التي استجابت للدعوة الجديدة , ومحاولة فتنتها عن عقيدتها بالتعذيب والتهديد . ثم تشويه هذه العقيدة وإثارة الغبار حولها وحول نبيها [ ص ] بشتى التهم والأساليب . كي لا ينضم إليها مؤمنون جدد . فمنع الناس عن الانضمام إلى راية العقيدة قد يكون أيسر من فتنة الذين عرفوا حقيقتها وذاقوها !
وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع صاحب الدعوة [ ص ] طرقا شتى من الإغراء - إلى جانب التهديد والإيذاء - ليلتقي بهم في منتصف الطريق ; ويكف عن الحملة الساحقة على معتقداتهم وأوضاعهم وتقاليدهم ; ويصالحهم ويصالحونه على شيء يرتضيه ويرتضونه ! كما تعود الناس أن يلتقوا في منتصف الطريق عند الإختلاف على المصالح والمغانم وشؤون هذه الأرض المعهودة .
وهذه الوسائل ذاتها أو ما يشبهها هي التي يواجهها صاحب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل !
والنبي [ ص ] ولو أنه رسول , حفظه الله من الفتنة , وعصمه من الناس . . إلا أنه بشر يواجه الواقع الثقيل في قلة من المؤمنين وضعف . والله يعلم منه هذا , فلا يدعه وحده , ولا يدعه لمواجهة الواقع الثقيل بلا عون ومدد وتوجيه إلى معالم الطريق .
وهذه الآيات تتضمن حقيقة هذا العون والمدد والتوجيه:
(إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا).