عظمة التكليف , وضخامة الأمانة . فتستصغر ما لاقت وما تلاقي من أشواك الطريق ! إن الله رحيم , كلف عبده الدعوة , ونزل عليه القرآن , وعرف متاعب العبء , وأشواك الطريق . فلم يدع نبيه [ ص ] بلا عون أو مدد . وهذا هو المدد الذي يعلم - سبحانه - أنه هو الزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في ذلك الطريق الشائك . . وهو هو زاد أصحاب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل . فهي دعوة واحدة . ملابساتها واحدة . وموقف الباطل منها واحد , وأسباب هذا الموقف واحدة . ووسائل الباطل هي ذاتها وسائله . فلتكن وسائل الحق هي الوسائل التي علم الله أنها وسائل هذا الطريق .
والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيها أصحاب الدعوة إلى الله هي هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى [ ص ] هي أن التكليف بهذه الدعوة تنزل من عند الله . فهو صاحبها . وأن الحق الذي تنزلت به لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار . فلا سبيل إلى التعاون بين حقها وباطلهم , أو الالتقاء في منتصف الطريق بين القائم على الحق والقائمين على الباطل . فهما نهجان مختلفان , وطريقان لا يلتقيان . فأما حين يغلب الباطل بقوته وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم , لحكمة يراها الله . . فالصبر حتى يأتي الله بحكمه . والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح - ليلا طويلا - هي الزاد المضمون لهذا الطريق . .
. . إنها حقيقة كبيرة لا بد أن يدركها ويعيش فيها رواد هذا الطريق . .
الدرس الرابع:27 غفلة الكفار عن الآخرة ومحبتهم للعاجلة
ثم يمضي السياق في توكيد الافتراق بين منهج الرسول [ ص ] ومنهج الجاهلية . بما يقرره من غفلتهم عن رؤية الخير لأنفسهم , ومن تفاهة اهتماماتهم , وصغر تصوراتهم . . يقول:
(إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا). .
إن هؤلاء , القريبي المطامح والاهتمامات , الصغار المطالب والتصورات . . هؤلاء الصغار الزهيدين الذين يستغرقون في العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا . ثقيلا بتبعاته . ثقيلا بنتائجه . ثقيلا بوزنه في ميزان الحقيقة . . إن هؤلاء لا يطاعون في شيء ولا يتبعون في طريق ; ولا يلتقون مع المؤمنين في هدف ولا غاية , ولا يؤبه لما هم فيه من هذه العاجلة , من ثراء وسلطان ومتاع , فإنما هي العاجلة , وإنما هو المتاع القليل , وإنما هم الصغار الزهيدون !
ثم توحي الآية بغفلتهم عن رؤية الخير لأنفسهم . فهم يختارون العاجلة , ويذرون اليوم الثقيل الذي ينتظرهم هناك بالسلاسل والأغلال والسعير , بعد الحساب العسير !
فهذه الآية استطراد في تثبيت الرسول [ ص ] والمؤمنين معه , في مواجهة هؤلاء الذين أوتوا من هذه العاجلة ما يحبون . إلى جانب أنها تهديد ملفوف لأصحاب العاجلة باليوم الثقيل .
الدرس الخامس:28 ضعف الكفار أمام قدرة الله
يتلو ذلك التهوين من أمرهم عند الله الذي أعطاهم ما هم فيه من قوة وبأس , وهو قادر على الذهاب بهم وتبديل غيرهم منهم . ولكنه يتركهم لحكمة يجري بها قدره القديم:
(نحن خلقناهم وشددنا أسرهم , وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا). .
وهذه اللفتة تذكر هؤلاء الذين يعتزون بقوتهم , بمصدر هذه القوة , بل مصدر وجودهم ابتداء . ثم تطمئن الذين آمنوا - وهم في حالة الضعف والقلة - إلى أن واهب القوة هو الذي ينتسبون إليه وينهضون بدعوته . كما