وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولا ولصفات الجنين العائلية أخيرا . وإليها يعزى سير النطفة الإنسانية في رحلتها لتكوين جنين إنسان , لا جنين أي حيوان آخر . كما تعزى إليها وراثة الصفات الخاصة في الأسرة . . ولعلها هي هذه الأمشاج المختلطة من وراثات شتى . . خلقته يد القدرة هكذا من نطفة أمشاج , لا عبثا ولا جزافا ولا تسلية , ولكنه خلق ليبتلي ويمتحن ويختبر . والله سبحانه يعلم ما هو ? وما اختباره ? وما ثمرة اختباره ? ولكن المراد أن يظهر ذلك على مسرح الوجود , وأن تترتب عليه آثاره المقدرة في كيان الوجود , وأن تتبعه آثاره المقدرة . ويجزى وفق ما يظهر من نتائج ابتلائه .
ومن ثم جعله سميعا بصيرا . أي زوده بوسائل الإدراك , ليستطيع التلقي والاستجابة . وليدرك الأشياء والقيم ويحكم عليها ويختار . ويجتاز الابتلاء وفق ما يختار . .
وإذن فإن إرادة الله في امتداد هذا الجنس وتكرر أفراده بالوسيلة التي قدرها , وهي خلقته من نطفة أمشاج . . كانت وراءها حكمة . وكان وراءها قصد . ولم تكن فلتة . . كان وراءها ابتلاء هذا الكائن واختباره . ومن ثم وهب الاستعداد للتلقي والاستجابة , والمعرفة والاختبار . . وكان كل شيء في خلقه وتزويده بالمدارك وابتلائه في الحياة . . بمقدار !
ثم زوده إلى جانب المعرفة , بالقدرة على اختيار الطريق , وبين له الطريق الواصل . ثم تركه ليختاره , أو ليضل ويشرد فيما وراءه من طرق لا تؤدي إلى الله:
(إنا هديناه السبيل:إما شاكرا وإما كفورا). .
وعبر عن الهدى بالشكر . لأن الشكر أقرب خاطر يرد على قلب المهتدي , بعد إذ يعلم أنه لم يكن شيئا مذكورا , فأراد ربه له أن يكون شيئا مذكورا . ووهب له السمع والبصر . وزوده بالقدرة على المعرفة . ثم هداه السبيل . وتركه يختار . . الشكر هو الخاطر الأول الذي يرد على القلب المؤمن في هذه المناسبة . فإذا لم يشكر فهو الكفور . . بهذه الصيغة الموغلة في الدلالة على الكفران .
ويشعر الإنسان بجدية الأمر ودقته بعد هذه اللمسات الثلاث . ويدرك أنه مخلوق لغاية . وانه مشدود إلى محور . وأنه مزود بالمعرفة فمحاسب عليها . وأنه هنا ليبتلى ويجتاز الابتلاء . فهو في فترة امتحان يقضيها على الأرض , لا في فترة لعب ولهو وإهمال ! ويخرج من هذه الآيات الثلاث القصار بذلك الرصيد من التأملات الرفيقة العميقة , كما يخرج منها مثقل الظهر بالتبعة والجد والوقار في تصور هذه الحياة , وفي الشعور بما وراءها من نتائج الابتلاء ! وتغير هذه الآيات الثلاث القصار من نظرته إلى غاية وجوده , ومن شعوره بحقيقة وجوده , ومن أخذه للحياة وقيمها بوجه عام .
الدرس الثاني:4 - 22 من صفات الأبرار وصور من نعيم الجنة لهم
ومن ثم يأخذ في عرض ما ينتظر الإنسان بعد الابتلاء , واختياره طريق الشكر أو طريق الكفران .
فأما ما ينتظر الكافرين , فيجمله إجمالا , لأن ظل السورة هو ظل الرخاء الظاهر في الصورة والإيقاع . وظل الهتاف المغري بالنعيم المريح . فأما العذاب فيشير إليه في إجمال:
(إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا). .
سلاسل للأقدام , وأغلالا للأيدي , ونارا تتسعر يلقى فيها بالمسلسلين المغلولين !
ثم يسارع السياق إلى رخاء النعيم: