فإنما هي التعاسة التي ليس بعدها تعاسة . والشقاء الذي ليس بعده شقاء ! . .(ويصلى سعيرا). . وهذا هو الذي يدعو الهلاك لينقذه منه . . وهيهات هيهات ! وأمام هذا المشهد التعيس يكر السياق راجعا إلى ماضي هذا الشقي الذي انتهى به إلى هذا الشقاء . .
(إنه كان في أهله مسرورا . إنه ظن أن لن يحور). .
وذلك كان في الدنيا . . نعم كان . . فنحن الآن - مع هذا القرآن - في يوم الحساب والجزاء وقد خلفنا الأرض وراءنا بعيدا في الزمان والمكان !
(إنه كان في أهله مسرورا). . غافلا عما وراء اللحظة الحاضرة ; لاهيا عما ينتظره في الدار الآخرة , لا يحسب لها حسابا ولا يقدم لها زادا . .(إنه ظن أن لن يحور)إلى ربه , ولن يرجع إلى بارئه , ولو ظن الرجعة في نهاية المطاف لاحتقب بعض الزاد ولادخر شيئا للحساب !
(بلى إن ربه كان به بصيرا). .
إنه ظن أن لن يحور . ولكن الحقيقة أن ربه كان مطلعا على أمره , محيطا بحقيقته , عالما بحركاته وخطواته , عارفا أنه صائر إليه , وأنه مجازيه بما كان منه . . وكذلك كان , حين انتهى به المطاف إلى هذا المقدور في علم الله . والذي لم يكن بد أن يكون !
وصورة هذا التعيس وهو مسرور بين أهله في حياة الأرض القصيرة المشوبة بالكدح - في صورة من صور الكدح - تقابلها صورة ذلك السعيد , وهو ينقلب إلى أهله مسرورا في حياة الآخرة المديدة , الطليقة , الجميلة , السعيدة , الهنيئة , الخالية من كل شائبة من كدح أو عناء . .
الدرس الثالث:16 - 19 القسم بمشاهد الكون على تغيير أحوال الناس
ومن هذه الجولة الكبيرة العميقة الأثر بمشاهدها ولمساتها الكثيرة , يعود السياق بهم إلى لمحات من هذا الكون الذي يعيشون فيه حياتهم , وهم غافلون عما تشي به هذه اللمحات من التدبير والتقدير , الذي يشملهم كذلك , ويقدر بإحكام ما يتوارد عليهم من أحوال:
(فلا أقسم بالشفق , والليل وما وسق , والقمر إذا اتسق . . لتركبن طبقا عن طبق). .
وهذه اللمحات الكونية التي يلوح بالقسم بها , لتوجيه القلب البشري إليها , وتلقي إيحاءاتها وإيقاعاتها . . لمحات ذات طابع خاص . طابع يجمع بين الخشوع الساكن , والجلال المرهوب . وهي تتفق في ظلالها مع ظلال مطلع السورة ومشاهدها بصفة عامة .
فالشفق هو الوقت الخاشع المرهوب بعد الغروب . . وبعد الغروب تأخذ النفس روعة ساكنة عميقة . ويحس القلب بمعنى الوداع وما فيه من أسى صامت وشجى عميق . كما يحس برهبة الليل القادم , ووحشة الظلام الزاحف . ويلفه في النهاية خشوع وخوف خفي وسكون !
(والليل وما وسق). . هو الليل وما جمع وما حمل . . بهذا التعميم , وبهذا التجهيل , وبهذا التهويل . والليل يجمع ويضم ويحمل الكثير . . ويذهب التأمل بعيدا , وهو يتقصى ما يجمعه الليل ويضمه ويحمله من أشياء وأحياء وأحداث ومشاعر , وعوالم خافية ومضمرة , ساربة في الأرض وغائرة في الضمير . . ثم يؤوب من هذه الرحلة المديدة , ولم يبلغ من الصور ما يحتويه النص القرآني القصير:(والليل وما وسق). . إنما يغمره من النص العميق العجيب , رهبة ووجل , وخشوع وسكون تتسق مع الشفق وما يضفيه من خشوع وخوف وسكون !