. . ليختار أيهما شاء , ففي طبيعته هذا الاستعداد المزدوج لسلوك أي النجدين . والنجد الطريق المرتفع . وقد اقتضت مشيئة الله أن تمنحه القدرة على سلوك أيهما شاء , وأن تخلقه بهذا الازدواج طبقا لحكمة الله في الخلق , وإعطاء كل شيء خلقه , وتيسيره لوظيفته في هذا الوجود . وهذه الآية تكشف عن حقيقة الطبيعة الإنسانية ; كما أنها تمثل قاعدة "النظرية النفسية الإسلامية " هي والآيات الأخرى في سورة الشمس:(ونفس وما سواها , فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)[ وسنرجئ عرضها بشيء من التفصيل إلى الموضع الآخر في سورة الشمس لأنه أوسع مجالا ] .
الدرس الرابع:11 - 18 دعوة الناس لاقتحام العقبة وتوجيههم إلى البذل والنفقة والصبر والرحمة
هذه الآلاء التي أفاضها الله على جنس الإنسان في خاصة نفسه , وفي صميم تكوينه , والتي من شأنها أن تعينه على الهدى:عيناه بما تريان في صفحات هذا الكون من دلائل القدرة وموحيات الإيمان ; وهي معروضة في صفحات الكون مبثوثة في حناياه . ولسانه وشفتاه وهما أداة البيان والتعبير ; وعنهما يملك الإنسان أن يفعل الشيء الكثير . والكلمة أحيانا تقوم مقام السيف والقذيفة وأكثر ; وأحيانا تهوي بصاحبها في النار كما ترفعه أو تخفضه . في هذه النار . . " عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:كنت مع النبي [ ص ] في سفر , فأصبحت يوما قريبا منه , ونحن نسير , فقلت:يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة , ويباعدني عن النار . قال:سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه:تعبد الله ولا تشرك به شيئا , وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت . ثم قال:ألا أدلك على أبواب الخير ? قلت:بلى يا رسول الله . قال:الصوم جنة . والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار , وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين , ثم تلا قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع . . . . .)ثم قال:ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ? قلت:بلى يا رسول الله . قال:رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد . ثم قال:ألا أخبرك بملاك ذلك كله ? قلت:بلى يا رسول الله . قال:كف عليك هذا , وأشار إلى لسانه . قلت:يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ? قال:ثكلتك أمك ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال:على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم ? " رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة .
وهدايته إلى إدراك الخير والشر , ومعرفة الطريق إلى الجنة والطريق إلى النار , وإعانته على الخير بهذه الهداية . .
هذه الآلاء كلها لم تدفع هذا "الإنسان" إلى اقتحام العقبة التي تحول بينه وبين الجنة . هذه العقبة التي يبينها الله له في هذه الآيات:
فلا اقتحم العقبة . . وما أدراك ما العقبة ? فك رقبة . أو إطعام في يوم ذي مسغبة , يتيما ذا مقربة , أو مسكينا ذا متربة . ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة . أولئك أصحاب الميمنة . .
هذه هي العقبة التي يقتحمها الإنسان - إلا من استعان بالإيمان - هذه هي العقبة التي تقف بينه وبين الجنة . لو تخطاها لوصل ! وتصويرها كذلك حافز قوي , واستجاشة للقلب البشري , وتحريك له ليقتحم العقبة وقد وضحت ووضح معها أنها الحائل بينه وبين هذا المكسب الضخم . .(فلا اقتحم العقبة)! ففيه تحضيض ودفع وترغيب !
ثم تفخيم لهذا الشأن وتعظيم:(وما أدراك ما العقبة !). . إنه ليس تضخيم العقبة , ولكنه تعظيم شأنها عند الله , ليحفز به "الإنسان" إلى اقتحامها وتخطيها ; مهما تتطلب من جهد ومن كبد . فالكبد واقع واقع . وحين يبذل لاقتحام العقبة يؤتي ثمره ويعوض المقتحم عما يكابده , ولا يذهب ضياعا وهو واقع واقع على كل حال !