حرمة البيت , فيؤذون النبي والمسلمين فيه , والبيت كريم , يزيده كرما أن النبي [ ص ] حل فيه مقيم . وحين يقسم الله - سبحانه - بالبلد والمقيم فيه , فإنه يخلع عليه عظمة وحرمة فوق حرمته , فيبدو موقف المشركين الذين يدعون أنهم سدنة البيت وأبناء إسماعيل وعلى ملة إبراهيم , موقفا منكرا قبيحا من جميع الوجوه . ولعل هذا المعنى يرشح لاعتبار:(ووالد وما ولد). . إشارة خاصة إلى إبراهيم , أو إلى إسماعيل - عليهما السلام - وإضافة هذا إلى القسم بالبلد والنبي المقيم به , وبانيه الأول وما ولد . . وإن كان هذا الاعتبار لا ينفي أن يكون المقصود هو:والد وما ولد إطلاقا . وأن تكون هذه إشارة إلى طبيعة النشأة الإنسانية , واعتمادها على التوالد . تمهيدا للحديث عن حقيقة الإنسان التي هي مادة السورة الأساسية .
وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في هذا الموضع من تفسيره للسورة في "جزء عم" لفتة لطيفة تتسق في روحها مع روح هذه "الظلال" فنستعيرها منه هنا . . قال رحمه الله:
"ثم أقسم بوالد وما ولد , ليلفت نظرنا إلى رفعة قدر هذا الطور من أطوار الوجود - وهو طور التوالد - وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع , وإلى ما يعانيه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ , وإبلاغه حده من النمو المقدر له .
"فإذا تصورت في النبات كم تعاني البذرة في أطوار النمو:من مقاومة فواعل الجو , ومحاولة إمتصاص الغذاء مما حولها من العناصر , إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان , وتستعد إلى أن تلد بذرة أو بذورا أخرى تعمل عملها , وتزين الوجود بجمال منظرها - إذا أحضرت ذلك في ذهنك , والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان , حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم , ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع , واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو أشد وأجسم" . . انتهى . .
يقسم هذا القسم على حقيقة ثابتة في حياة الكائن الإنساني:
(لقد خلقنا الإنسان في كبد). .
في مكابدة ومشقة , وجهد وكد , وكفاح وكدح . . كما قال في السورة الأخرى:(يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه). .
الخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها الظروف الملائمة للحياة والغذاء - بإذن ربها - وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج , فتذوق من المخاض - إلى جانب ما تذوقه الوالدة - ما تذوق . وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم !
ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر . يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به , ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية ! وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة ! ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد ! وكل خطوة بعد ذلك كبد , وكل حركة بعد ذلك كبد . والذي يلاحظ الوليد عندما يهم بالحبو وعندما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة .
وعند بروز الأسنان كبد . وعند انتصاب القامة كبد . وعند الخطو الثابت كبد . وعند التعلم كبد . وعند التفكر كبد . وفي كل تجربة جديدة كبد كتجربة الحبو والمشي سواء !
ثم تفترق الطرق , وتتنوع المشاق ; هذا يكدح بعضلاته . وهذا يكدح بفكره . وهذا يكدح بروحه . وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء . وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف . . . وهذا يكدح لملك أو جاه ,